من ندوة المهرجان الدولي للمونودراما بقرطاج (صفحة المهرجان/فيسبوك )

يفتتح عرض “الست”، المستلهم من سيرة أم كلثوم، مساء غدٍ الخميس، فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان قرطاج الدولي للمونودراما في تونس، في اختيار دالّ يضع الذاكرة الفنية العربية داخل معالجة مونودرامية تقوم على إعادة بناء الشخصية عبر الأداء الفردي المكثف، بما ينسجم مع طبيعة هذا الفن القائم على اختزال العالم في جسد ممثلٍ واحد.

تمتد فعاليات الدورة إلى 3 مايو/أيار المقبل، في سياقٍ مسرحي يتجه نحو تعميق الاشتغال على المونودراما باعتبارها صيغة أدائية تختبر حدود التعبير الفردي، وتعيد مساءلة العلاقة بين الصوت الواحد وتعدد الدلالات. ويحمل المهرجان هذا العام اسم الفنان الراحل فتحي الهداوي، في استحضارٍ لمسار فني ارتبط بجوهر الأداء وأسهم في ترسيخ تقاليد تمثيليةٍ داخل المشهد التونسي.

ويضم برنامج الدورة أكثر من عشرين عرضاً من تونس وعدد من الدول العربية والأجنبية، ضمن المسابقة الرسمية، إلى جانب مسار مخصص للمونودراما الشبابية، في توجه يعنى بتجديد هذا الشكل المسرحي عبر إتاحة المجال أمام تجارب ناشئة تحمل مقترحات جمالية جديدة، وتشتغل على توسيع أدوات الأداء الفردي، بحسب ما أورده إكرام عزوز رئيس المهرجان في حديث لـ”العربي الجديد”.

ومن بين العروض المشاركة في هذه الدورة، إلى جانب العرض الافتتاحي “الست” من مصر، عرض “عَ المعبر” من فلسطين، و”ها أنذا” من المغرب، و”هملت في المدينة” من العراق، و”ظل الذاكرة” من تونس، و”زعفران” من الجزائر، و”الكماش الخطير” من السعودية، وعرض “المحطة الأخيرة” من الأردن، إلى جانب عرضين من إسبانيا وآخرين من الولايات المتحدة الأميركية.

أكثر من عشرين عرضاً من تونس وعدد من الدول العربية والأجنبية في سباق المهرجان

ولا تنفصل برمجة العروض عن تصورٍ أوسع للفضاء المسرحي، حيث تتوزع الفعاليات بين مركز أفريكا للفنون وقاعة الفن الرابع ودار الثقافة ابن رشيق، مع امتدادٍ واضح نحو الفضاء العمومي من خلال مسرح الشارع ومنصة الحكواتيين، في اشتغال يدمج العرض داخل النسيج الحضري ويمنح التلقي بعداً مفتوحاً يتجاوز القاعة المغلقة.

ويدرج المهرجان ضمن برنامجه ماستر كلاس مخصصاً لمسيرة فتحي الهداوي، إلى جانب ندوات فكريةٍ تناقش قضايا المسرح المعاصر وورشاتٍ تكوينية ولقاءاتٍ بين فنانين ونقاد، في محاولة لربط العرض بأسئلته النظرية وكذا مواكبة التحولات التي يعرفها الأداء المسرحي في علاقته بالمتغيرات الثقافية.

في هذا السياق، يقدّم الفنان إكرام عزوز، المدير المؤسس للمهرجان ورئيسه، تصوراً يقوم على تقاطع التجربة الفنية بالإدارة الثقافية، مستنداً إلى خلفيته ممثلاً اشتغل على المونودراما وتجربة الأداء الفردي. ويوضح في حديث لـ”العربي الجديد” أن اختيارات العروض تنبني على معيار الإضافة الجمالية، مع التركيز على أعمال قادرة على تطوير اللغة المونودرامية واستكشاف إمكاناتها التعبيرية.

ويشير عزوز إلى أن المهرجان أصبح يستقطب عدداً متزايداً من المونودراميين من مختلف أنحاء العالم، بما يعزز حضور تجارب متنوعةٍ داخل البرمجة، ويتيح احتكاكاً فعلياً بين مدارس وأساليب أدائية متعددة. ويرى المتحدث أن هذا المسار يوازيه رهان يتصل بصورة تونس الثقافية، انطلاقاً من اعتبارها فضاءً حضارياً يحمل إرثاً يفرض، وفق تقديره، تمثيله داخل التظاهرات الفنية.

ويضيف المتحدث لـ”العربي الجديد” أن تطور المهرجان يتجسد في تنويع مساراته، من المسابقة الرسمية إلى المونودراما الشبابية، ثم الانفتاح على الفضاء العمومي ومنصة الحكواتيين، وصولاً إلى مشاريع قيد الإعداد، تستهدف توسيع دائرة الاشتغال على الأداء الفردي، بما في ذلك صيغ موجهة للأطفال “مونو كيدس”، وضمنها أيضاً مسابقة دولة بعنوان “المونو كلون”، في إطار سعيٍ متواصل إلى توسيع قاعدة التلقي وتعزيز حضور هذا الفن داخل المجتمع، لافتاً إلى أن رهان الدورة المقبلة لعام 2027 هو “مشاركة مئة جنسية”، في دورة ستعقد ضمن سياق مشروع “تونس عاصمة للسياحة العربية”.

بهذه البرمجة، تتقدم الدورة الثامنة من مهرجان قرطاج الدولي للمونودراما لحظةَ اشتغالٍ على أسئلة المونودراما من الداخل، عبر الجمع بين العرض والتفكير وتوسيع أفق هذا الفن الذي يواصل اختبار قدرته على اختزال التعقيد الإنساني داخل صوت واحد، من دون أن يفقد تعدديته الدلالية.