تتميز مملكة البحرين بصحافة راسخة ومشهد إعلامي واعٍ
قحطان القحطاني: «الترند» غيّر الذائقة وأربك معايير النجومية
مبارك خميس: الإعلام يسلّط الضوء.. لكن الجمهور وحده يمنح البقاء
حسين المعماري: النجومية الحقيقية تُبنى بالتجربة لا بالظهور المؤقت
حين ينحاز الإعلام للبريق العابر.. تتراجع القيمة الفنية
بين سلطة المنصة ووعي المتلقي.. يبقى الفن الحقيقي هو الأقدر على البقاء
منذ أن وُجدت الصحافة بوصفها سلطة معنوية تشكّل الوعي وتعيد ترتيب صورة الواقع، ظل الإعلام شريكًا أساسيًا في صناعة الرموز الثقافية والفنية، لا بوصفه مجرد ناقل للأحداث، بل باعتباره قوة قادرة على منح الضوء وتوجيه الانتباه وصياغة الصورة العامة للأفراد. وفي مملكة البحرين، التي تتميز بصحافة راسخة ومشهد إعلامي واعٍ، لعبت المؤسسات الصحفية دورًا مهمًا في دعم الوجوه الشابة، وإبراز المواهب الوطنية، ومساندة الفنانين الحقيقيين في مسيرتهم الإبداعية، انطلاقًا من مسؤوليتها الثقافية في الارتقاء بالذائقة العامة وحماية القيمة الفنية.
لكن مع تعدد المنصات الإعلامية واتساع فضاءات النشر، لم تعد صناعة الصورة حكراً على الصحافة المهنية وحدها، بل ظهرت منابر رقمية ومنصات اجتماعية اتخذت من نفسها منصات لصناعة الشهرة السريعة، فبات الضوء يُمنح أحيانًا لا على أساس القيمة، بل على أساس الجذب اللحظي، وعدد المشاهدات، وسرعة الانتشار. ومن هنا يبرز سؤال فلسفي جوهري: هل ما زالت النجومية تُبنى على الموهبة والإنجاز، أم أصبحت تُصنع عبر أدوات الترويج وصناعة الصورة؟
في هذا السياق، تتباين رؤى الفنانين بين من يرى أن الإعلام الحديث أسهم في إرباك معايير النجومية، وبين من يؤكد أن الجمهور يبقى الحكم الأخير، وبين من يدعو إلى إعادة الاعتبار للقيمة الفنية بوصفها المعيار الحقيقي للنجاح.
يرى الفنان القدير قحطان القحطاني أن التحولات الرقمية المتسارعة لم تغيّر فقط وسائل الوصول إلى الجمهور، بل غيّرت البنية الثقافية التي تقوم عليها النجومية نفسها، حيث أصبحت الشهرة في كثير من الأحيان وليدة “الترند” لا وليدة القيمة.
ويؤكد أن الأجيال السابقة كانت تتلقى إنتاجًا فنيًا وأدبيًا يقوم على معايير نوعية ونخبوية، بينما أصبحت الأجيال الجديدة أكثر انجذابًا إلى الشكل والبهرجة على حساب المضمون، الأمر الذي سمح لمحتويات عابرة أو صادمة أن تصنع من أصحابها نجوماً في وقت قياسي، متجاوزةً سنوات طويلة من العمل الجاد التي قدّمها فنانون حقيقيون. ويشير القحطاني إلى أن هذا التحول لم يقتصر على الجمهور، بل امتد إلى الحركة النقدية والإعلامية، حيث تراجعت المعايير الفنية لصالح حسابات الانتشار والمشاهدة، وأصبح بعض الإعلام يروّج للمضامين السطحية بحثًا عن نسب المتابعة، حتى باتت النجومية تُقاس بعدد المتابعين لا بمقدار العطاء. وبهذا المعنى، فإن الخلل لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في تحوّل القيمة من جوهر الفن إلى سطح الصورة.
مبارك خميس: الجمهور هو الحَكم الأخير
أما الفنان مبارك خميس، فيقدّم رؤية أكثر اتزانًا، مفادها أن الإعلام قد يسهم في إبراز الفنان أو تسليط الضوء عليه، لكنه لا يستطيع فرضه على الناس ما لم يكن يملك مقومات الحضور الحقيقية.
ويؤكد أن الصحافة تستطيع أن “تلمّع” اسمًا معينًا، إلا أن استمرار هذا الاسم في ذاكرة الناس مرهون بجودة ما يقدّمه، لأن الجماهير لا تُخدع طويلًا بالصورة الإعلامية إن لم تسندها موهبة حقيقية. ومن هنا فإن الظهور المتكرر في الإعلام قد يصنع نوعًا من الشهرة المؤقتة، لكنها سرعان ما تخبو إذا كانت تفتقر إلى الكاريزما والجوهر الفني.
ويضع خميس الجمهور في موقع السيادة النهائية، باعتباره الجهة الوحيدة القادرة على تثبيت صورة الفنان في الوجدان العام، لأن حكم الجمهور لا ينبع من حملات التلميع، بل من إحساسه الصادق بالقيمة. وهذه الرؤية تعيد الاعتبار لفكرة أن الإعلام يفتح الباب، لكن الجمهور وحده من يمنح الشرعية للبقاء.
حسين المعماري: النجومية قيمة تُستحق ولا تُمنح
ويذهب الموسيقي البحريني العازف حسين المعماري إلى تشخيص أكثر عمقًا لهذه الظاهرة، حين يعتبر أن بعض المنصات الإعلامية باتت تمارس ما يمكن وصفه بـ”صناعة النجوم الوهميين”، من خلال منح ألقاب فنية كبيرة لأشخاص لم يمروا بمسار إبداعي حقيقي.
ويشدد المعماري على أن ألقابًا مثل “نجم” أو “فنان” أو “عازف” ليست أوصافًا عابرة، بل هي قيمة معنوية وفنية يجب أن تُمنح لمن استحقها عبر التجربة والموهبة والأثر الحقيقي في الناس. فالنجومية الحقيقية لا تُبنى عبر الظهور الإعلامي المكثف أو الأرقام السريعة التي تصنعها موجات الترند، وإنما عبر مسيرة زمنية متراكمة تحترم ذائقة الجمهور وتُثبت حضورها بمرور الوقت.
ويرى أن اختزال النجاح الفني في عدد المتابعين والمشاهدات يُنتج صورة مضللة عن القيمة، لأن هذه المؤشرات قد تُصنع في لحظة، بينما يحتاج الفن الأصيل إلى زمن طويل حتى يترسخ. ومن هنا فإن المشكلة لا تتعلق فقط بمن يُمنح الضوء، بل بما يترتب على ذلك من تهميش لفنانين حقيقيين يشعرون أن الصورة الإعلامية لم تعد تعكس القيمة الفنية الفعلية.
ويختتم المعماري رؤيته بالتأكيد على أن مسؤولية الإعلام ليست صناعة نماذج خارقة، بل الإنصاف والموضوعية، لأن الإعلام حين ينحاز إلى القيمة يرتقي بالذائقة، وحين ينحاز إلى الفراغ يربك المشهد الثقافي ويشوّه معنى النجاح.
بين سلطة الإعلام ووعي الجمهور
في جوهر المسألة، لا تبدو القضية صراعًا بين الإعلام والجمهور، بل صراعًا بين القيمة والصورة؛ بين الفن بوصفه أثرًا إنسانيًا متراكمًا، وبين الشهرة بوصفها لحظة بصرية عابرة. فالإعلام يمتلك سلطة الضوء، لكنه لا يمتلك وحده سلطة الخلود، لأن البقاء الحقيقي لا تمنحه المنصات، بل تمنحه القيمة.
قد تصنع بعض المنابر شهرة مؤقتة، وقد ترفع أسماءً لا تستند إلى عمق فني، لكن الزمن — بوصفه أعظم ناقد — يعيد ترتيب المشهد دائمًا، فيُسقط ما كان زائفًا ويُبقي ما كان أصيلًا. فالنجومية التي تُبنى على الضجيج تزول بانطفائه، أما النجومية التي تُبنى على الموهبة فتبقى حتى بعد غياب الضوء. ومن هنا، فإن مسؤولية الإعلام الحقيقي لا تكمن في خلق النجوم، بل في اكتشاف القيمة وتوجيه الضوء نحوها، لأن الإعلام حين يتحالف مع الحقيقة يصبح شريكًا في بناء الوعي، أما حين ينحاز إلى البريق العابر فإنه يتحول من صانع للمعنى إلى صانع للوهم.
Fatema.y.Alyusuf@gmail.com
