
بيروت – «القدس العربي»: يأتي فيلم «سيجيء يوم آخر» الوثائقي القصير ليجيب عن أسئلة معلنة ومضمرة، لدى كل مهتم بفلسطين وأهلها الذين يتابعون حياتهم في «البلاد» تحت الاحتلال وكيف يعيشون. يرددون «البلاد» كتعريف مكاني، ففلسطين ليست موجودة، فالمسار الاحلالي الصهيوني قرر أن لا أثر لها. وتعريف الفلسطينيين الذين فاق تعدادهم المليوني إنسان في قاموسهم «السكان العرب».
سؤال المشاعر المحتبسة لدى فلسطينيي «البلاد» لا شك تضاعفت مع ارتفاع وتيرة الإبادة المستمرة في قطاع غزّة منذ الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وإذ بالفيلم الوثائقي القصير «سيجيء يوم آخر» يأتي بالجواب. وأتاح التعبير لمن في ارضهم، وإن فيما بينهم.
حكاية فيلم « سيجيء يوم آخر» تنبع من كيفية صناعته. بدأ كتجربة اجتماعية في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 ردًا على حالة الصمت التي اجتاحت المجتمع الفلسطيني في الداخل. والتزم كثيرون الصمت خوفاً من العقاب الإسرائيلي الفاشي.
تقول مخرجة الفيلم عايدة قعدان إن تلك الأيام افقدتها الاتصال مع شعبها. واجتاحها الخوف والقلق من «أن الذي اختار الصمت اليوم سيصمت للأبد». فهي تدرك تماماً ذاك الصمت الذي خيم على أهل الأرض بعد صدمة النكبة، والانقطاع من المعرفة، والتعبير الأدبي والثقافي على مختلف مستوياته. انقطاع استمر إلى أوائل ستينيات القرن الماضي.
تحكي مخرجة الفيلم عن ذاتها ومهنتها في المرحلة الأكثر دموية في تاريخ الشعب الفلسطيني: «كنت أجول في شوارع فلسطين المحتلة حاملة ثلاث كاميرات مختلفة. أتنقل بحذر، أختبئ أحيانًا، وأتحدث بالعبرية أحيانًا أخرى كي لا أُلفت الانتباه، محاوِلة أن أكون صادقة مع اللحظة ومع الخوف الذي يرافقها. كنت أصوّر ما لا يمكن تصويره».
حرب الإبادة على غزّة عززت انتاج واخراج أفلام مادتها الصوت. هو الصوت البشري أو أي صوت سببته الإبادة بات حاضرا في السينما التي تتناول الإبادة. وهذا ما بدأته عايدة قعدان في 11/11/ 2023 لجأت إلى تطبيقي سيغنال وتيليغرام، ودعت مجموعة ضيقة للتشارك بالفضفضة في الثامنة مساء وعلى مدى 8 أيام، وسّعت التجربة بحثاً عن فلسطينيين أكثر راحة اقتصادية بينهم رجال أعمال وطلاب، وسعت إلى العمّال والفلاحين، وصلت إلى المثلث. تواصل شرطه عدم التصريح بالاسم والسكن والمهنة.
فيلم «سيجيء يوم آخر» من 20 دقيقة. أصوات ترافق تجوال الكاميرا في انحاء فلسطين، من الجليل بكافة مستوياته بما فيها الزيب المهجّرة. ومن المثلث إلى حيفا والقيسارية وملعب الغولف، إلى حيفا وبحرها. أصوات بدت مشتاقة للكلام. للتعبير للحزن، وللحداد جماعة. وحكت عن الأمل.
العمل أكد أهمية بوح الصوت في العمل السينمائي. صوت إنسان لنا أن نتخيله، وأن نشعر بتلك الصخرة القابعة على صدره ويصده. أو تلك المرأة التي يجبرها واقعها أن تستمع إلى محتليها وهم يهللون لاستمرار الإبادة في غزّة. أو ذاك الشاب الذي يجلس في منزله وفي حيفاه، ويتخيل أقاربه في منازلهم.. وأهلها يجوبون شوارعها، ويسبحون في بحرها، وأطفالهم يلهون في حدائقها، ولكن.
بين هذا وذاك يسألون عن المستقبل وسط كم مهول من المستوطنين المجردين من كل إنسانية، الهجرة فكرة تلوح.. وصوت نسائي من الجليل يقول «عنا البيهاجر بِينْقِرِم».
تنوعت مستويات التعبير وتعددت منطلقاته. الإيمان بيوم آخر سيأتي. وسنعيشه، هو خلاصة القول وصميم الفضفضة. فكان فيلم «سيجيء يوم أخر»، الذي افتتحت عروضه في مهرجان تورونتو للأفلام الوثائقية في الأول من هذا الشهر وفي الثاني منه. ومقرر عرضه في سوق الأفلام في مهرجان كان بين 13 و18 الشهر الجاري.
