محمد عبد الرحيم

القاهرة ـ «القدس العربي» : ذاع صيت المخرج المصري شادي عبد السلام (1930 ــ 1986) من خلال فيلمه الأشهر «يوم أن تحصى السنون» إنتاج عام 1969. بخلاف بعض الأفلام القصيرة، مثل.. «شكاوى الفلاح الفصيح» 1970، «آفاق» 1972، و»جيوش الشمس» 1974. ومن منتصف سبعينيات القرن الفائت بدأ عبد السلام مشروعه المُسمى بـ(الطريق إلى الله) وهي ثلاثية لم يكتمل أي منها، فالجزء الأول «الحصن» والثاني «الدندراوية» تم تصوير بعض منهما، بينما الثالث «مأساة البيت الكبير/أخناتون»، فلم يزل مخطوطاً على الورق حتى الآن. إلا أن تلاميذ شادي عبد السلام، خاصة الفنان الراحل صلاح مرعي والفنان أنسي أبو سيف، والفنان مجدي عبد الرحمن، حاولوا استكمال الجزأين الأولين من خلال المونتاج، أما الجزء الأخير فجاء عبْر شرح أنسي أبو سيف للفيلم، من خلال الأماكن الحقيقية وتصوّر شادي عبد السلام للسيناريو ورسمه لاسكتشات الفيلم (الديكوباج) وكذلك ترجمته لبعض الكتابات والنقوش الفرعونية على جدران المعابد والغرف الخاصة بالملك الذي تم القضاء عليه وعلى فكرته أو ثورته الجديدة في العقيدة. وقد عُرض الفيلم مؤخراً على المسرح الصغير في دار الأوبرا المصرية، ضمن أنشطة مركز الثقافة السينمائية التابع للمركز القومي للسينما.

صور متعددة لروح واحدة

كعادة شادي عبد السلام، الذي ينطلق دوماً من تاريخ مصر القديمة، ويؤكد مدى تأصل هذا التاريخ في روح الإنسان المصري، هذا التاريخ الذي يتخذ أشكالاً عدة، ويتم تحويره حتى يتناسب ويتماشى مع المعتقد الجديد، حتى تحسب أنه امتداد طبيعي لمُعتقد يعيش منذ آلاف السنين، فكيف لطقس فرعوني لم يزل يجد صداه في حالة من حالات التصوف أو (الطريقة)؟ فمن البحث عن حورس في (الحصن) إلى حالة الخصوبة الدائمة وتمثلها في لقاء حورس وحتحور في (الدندراوية)، وصولاً إلى فكرة التوحيد المطلق المقترنة بـ(أخناتون) ذلك الملك الثائر، الذي أضاع مُلكه في سبيل دعوته. من هنا يتضح اسم الفيلم «الطريق إلى الله»، فهذه الطرق المختلفة في شكل العبادة والمُعتقد، ما هي إلا طريق واحد طويل، تنوعت دروبه وتشكّلت خلال وعي الإنسان المصري، والتي لم تزل حاضرة منذ نشأتها وحتى الآن.

دروب الله

في (الحصن) نرى معبد (إدفو) أو معبد (حورس)، ويبدو الجسد المحمول على الأعناق فوق جدارية كبيرة، وتبدو النائحات، تماماً كما إيزيس وهي تنوح على طفلها إلى جانب نهر النيل، هذه الطقوس لم تزل تمارسها إحدى قبائل الجنوب في حركات راقصة، مهما اختلفت اللغة وطبيعة الأناشيد أو الأغنيات، ولكنها الحركات نفسها، كطقس شعائري قديم ومُمتد حتى الآن. ومنه إلى (الدندراوية) وهو معبد الإلهة (حتحور) لتبدأ رحلتها إلى معبد حورس، حتى تتم علاقة الزواج، هذا الاتحاد يتم التعبير عنه الآن من خلال جماعة صوفية تأتي المعبد والقرية التي يتصدرها (إدفو) تماماً من خلال النهر، فالمركب المقدس أصبح مركباً كبيراً، عليه الرجال في زيّهم الأبيض، الذي يُشير إلى الطريقة التي يحيون من خلالها، وتبدأ طقوس الذِكر والأناشيد والأدعية الدينية. هذه اللقطات في الفيلمين، وقد قام شادي عبد السلام بتصويرها، وكان ينتوي ـ حسب صلاح مرعي ـ جعلهما أفلاماً طويلة، لكن لم يُمهله الوقت. فقط اللقطات مع الموسيقى والأناشيد. أما «مأساة البيت الكبير» فهي عن وصول الفكرة إلى غايتها (التوحيد)، عن قصة حياة (أخناتون)، وهنا لا توجد لقطات مصوّرة سابقاً، بل الأماكن الحقيقية في تل العمارنة، وهي المدينة التي جعلها أخناتون مدينته المقدسة، حيث نرى قرص الشمس في كل لوحة وجدارية، كرمز للأله الواحد. ثم من خلال لقطات رسمها شادي وأعاد تفسيرها في مشاهد السيناريو الخاص بالفيلم، كالبهو الذي يشهد تقديم الجزية لملك مصر، ثم مقبرة رئيس الشرطة الذي أنقذ أخناتون من محاولة اغتيال من قِبل كهنة آمون، وكذا بعض تماثيل لأخناتون نفسه. ليصاحب الفيلم تعليقاً لأنسي أبو سيف، شارحاً بعض اللقطات، وليقرأ بعض من أناشيد أخناتون، وفي القرية نفسها الآن، وكوصية من أخناتون ـ هكذا يرى عبد السلام ـ يجلس شيخ الكُتّاب ليُعلم الأطفال القرآن، وهم يرددون خلفه، ليبدو الانتقال بين بردية تتغنى بالإله الواحد إلى آيات الإله الواحد الأحد، وكأن الزمن استمر في هدوء، وقد تحققت رؤية الملك حتى ولو بعد آلاف السنين.