يواجه لبنان تقاطعاً خطيراً بين تصعيد عسكري إسرائيلي واهتزازات بنيوية في نسيجه الاجتماعي. فبينما تعيد “مسيّرات الألياف الضوئية” وتصاعد ضربات حزب الله صياغة موازين ردع معينة في الجنوب وشمال إسرائيل، بدأت شظايا الاختلاف السياسي حول مفاهيم الحرب والسلم والتفاوض تخترق جدار الاستقرار الداخلي، مهددةً بتحويل الاحتقان السياسي إلى “عوارض” طائفية ومجتمعية مثيرة للقلق.
وفي مشهد يعكس خطورة المرحلة، التقت مواقف رئاسات الجمهورية والمجلس والحكومة عند نقطة “الأمن القومي والاجتماعي”. وعلى رغم التباين المعروف في مقاربة ملف المفاوضات وآليات الحل، برز تقاطع جوهري بين الرئيس جوزاف عون والرئيس نبيه بري حول اعتبار المساس بالمقامات الروحية والرموز الوطنية تجاوزاً للخطوط الحمر، وفعلاً يمسّ جوهر الوجود اللبناني، وعلى الدعوة الصريحة إلى حصر الخلافات في إطارها السياسي، ومنع انزلاقها نحو الشارع أو الفضاء الافتراضي، إدراكاً بأن أي خلل في السلم الأهلي هو “هدية مجانية” لإسرائيل.
على الجبهة العسكرية، تبدو إسرائيل غارقة في تخبط داخلي، حيث تعالت الاتهامات لنتنياهو بالخضوع لإملاءات دونالد ترامب، وظهرت اعترافات للقادة العسكريين بمفاجأة “ثبات” منظومة حزب الله وإيران، كما يجد السكان أنفسهم في نفق مظلم شمالاً. وتؤكد التقارير العبرية والدولية أن وضع الشمال بات “أسوأ مما كان”، وأن التكتيكات العسكرية الإسرائيلية تصطدم بجدار من الابتكار الميداني الذي يعمد إليه حزب الله، والذي يزداد تطوراً.
وفي الخلاصة، يعكس الاستنفار الرسمي اللبناني لتدارك التوترات الطائفية وعياً بأن “تحصين الجبهة الداخلية” هو الرديف الوحيد لصمود البلد. ومن هنا يأتي “تفاهم الضرورة” على أولوية السلم الأهلي، بين أقطاب الحكم، ليشكل سداً أمام أي محاولة لاستثمار الأزمات.

 

استنفار رسمي لضبط الداخل

في الداخل اللبناني، تصدّر رئيس الجمهورية جوزاف عون المواقف المحذّرة من مخاطر الانزلاق نحو الفتنة، على خلفية تصاعد الحملات التي طالت مرجعيات دينية، وفي مقدّمها البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي. وأكد عون أن التعرض للمقامات الروحية، الإسلامية والمسيحية، “عمل مدان ومرفوض”، لما تمثّله هذه المرجعيات من رمزية وطنية جامعة، مشدداً على ضرورة إبقاء الخلافات ضمن إطارها السياسي وعدم الانحدار إلى الإساءات الشخصية، مع التذكير بأن القوانين المرعية تجرّم هذه الأفعال.

هذا الموقف تلاقى مع تحذير رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي اعتبر أن حملات التطاول على الرموز الدينية والوطنية تشكّل تهديداً مباشراً للوحدة الداخلية وتخدم خصوم لبنان، داعياً إلى تحرّك قضائي سريع لمحاسبة المسيئين، ومحذّراً من أن أي فتنة لن تبقى محصورة، بل ستصيب الجميع.

بدوره، دعا رئيس الحكومة نواف سلام إلى التمسك بضوابط التعبير المسؤول، محذراً من الانزلاق إلى خطاب الكراهية والتخوين، لما يحمله من مخاطر على الاستقرار، ومناشداً اللبنانيين التحلّي بالوعي وتجنّب أي خطاب يدفع البلاد نحو توترات داخلية.

وعلى خط موازٍ، أصدر “حزب الله” بياناً انتقد فيه مواد إعلامية اعتبرها مسيئة ومحرّضة، داعياً مناصريه إلى عدم الانجرار إلى ردود فعل تصبّ في اتجاه التوتير، والتنبه لما وصفه بمحاولات دفع البلاد إلى مواجهة داخلية.

 

إسرائيل بين كسر الجمود والقيود الأميركية

تُجمع التقديرات الإعلامية والأمنية في إسرائيل على أن التحدّي الأساسي حالياً هو كسر حالة الجمود في العمليات جنوب لبنان، عبر الانتقال إلى نهج يقوم على المفاجأة والضغط المكثّف على “حزب الله”، لمنع تحوّل المواجهة إلى حرب استنزاف تُضعف ما تعتبره تل أبيب “إنجازات تكتيكية”.

النقاشات داخل الكابينت تمحورت حول تصعيد الضربات لإرباك الحزب، بالتوازي مع مسعى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو للحصول من الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مهلة قصيرة للمفاوضات، تمهيداً لاستئناف العمل العسكري. هذا التوجّه يعكس قلقاً متزايداً داخل المؤسسة الأمنية من القيود الأميركية التي حدّت من حرية سلاح الجو، ولا سيما في ما يتعلق باستهداف مواقع في بيروت والضاحية رغم توافر معطيات استخبارية.

في الميدان، يواصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ خطته مع تقديرات بأن المعركة مرشحة للاستمرار، في ظل انتشار يمتد إلى عمق يقارب عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. في المقابل، تُظهر التقييمات العسكرية أن “حزب الله” يطوّر أنماط قتال قائمة على حرب العصابات، مستفيداً من تجارب أوكرانيا وغزة، عبر تكثيف استخدام المسيّرات، القنص، والصواريخ المضادة للدروع.

التحليلات الإسرائيلية تحذّر من أن التموضع الحالي قد يتحوّل إلى نقطة ضعف في حال استمرار القيود العملياتية، ما يدفع باتجاه إعادة صياغة النهج العسكري. وفي هذا السياق، تبرز مقاربات تدعو إلى توسيع المنطقة العازلة حتى الليطاني، تكثيف الضربات في العمق اللبناني، وتشديد الضغط على خطوط الإمداد، في محاولة لاستعادة عنصر المبادرة.

في المحصلة، يتجه النقاش داخل إسرائيل نحو تفضيل ضربات هجومية مركّزة لكسر الجمود واستعادة الردع، بدلاً من الاستمرار في نمط الاستنزاف الذي يهدد بإطالة أمد المواجهة من دون حسم.

 

النهب وجه آخر للحرب

في موازاة النقاش العسكري، تكشف تقارير إسرائيلية عن جانب آخر من واقع العمليات. فقد أوردت صحيفة “هآرتس” معطيات حول انخراط جنود إسرائيليين في عمليات نهب لمنازل ومتاجر في جنوب لبنان، بعلم القيادات ومن دون ردع فعلي.

وبحسب التقرير، لا تمثّل هذه الظاهرة سلوكاً طارئاً، بل تندرج ضمن نمط متكرر في الحروب الإسرائيلية منذ عام 1948 مروراً بحربي 1956 و1967 وصولاً إلى العمليات في لبنان والانتفاضة الفلسطينية. ورغم فتح تحقيقات شكلية، تشير الصحيفة إلى استمرار التجاهل، ما يحوّل النهب إلى جزء من دينامية الحرب ونتائجها الميدانية.

 

النواب السنّة وخيار التفاوض

سياسياً، عكس لقاء نواب السنّة تحوّلاً في مقاربتهم للمرحلة، باتجاه تبنّي خيار التفاوض مع إسرائيل كمدخل لإنهاء الحرب، ضمن تموضع يعيد التأكيد على مرجعية الدولة والدستور وحصر قرار السلاح بيدها.

النواب أظهروا تقاطعاً على مبدأ التفاوض، مع تباينات في الشروط والتوقيت، معتبرين أنه خيار واقعي لوقف إطلاق النار واستعادة الاستقرار. كما طُرحت مسألة لقاء رئيس الجمهورية مع نتنياهو كفكرة غير مرفوضة مبدئياً، لكنها مؤجلة إلى حين وقف الحرب، تحقيق انسحاب إسرائيلي، وتوافر ظروف سياسية ملائمة.

هذا المسار يعكس محاولة لإعادة تنظيم الموقع السياسي السنّي عبر خطاب موحّد داعم للدولة وخيار التفاوض، من دون أن تتضح بعد قدرته على فرض نفسه في ميزان القوى الداخلي.

 

تصعيد ميداني

ميدانياً، تصاعدت وتيرة الغارات الإسرائيلية بشكل واسع على جنوب لبنان، مستهدفة بلدات في أقضية النبطية وبنت جبيل وصور، من بينها الجميجمة، ياطر، زبدين، ميفدون، زوطر الشرقية، جبشيت، الدوير، شوكين وبرج قلاويه، إلى جانب قصف مدفعي طال كونين وبنت جبيل والمنصوري، وعمليات نسف لمنازل في أكثر من بلدة.

كما طالت الغارات طرقاً رئيسية ودراجات نارية، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى في عدد من المناطق، بينها كفردجال، شوكين واللويزة. وبالتوازي، وجّه الجيش الإسرائيلي إنذارات إخلاء إلى بلدات عدة في محيط النبطية، فيما أكد استمرار عملياته في يارون بهدف إزالة “التهديدات” وتدمير بنى تحتية لـ”حزب الله”.

في المقابل، أعلن الحزب تنفيذ هجمات بمسيّرات انقضاضية استهدفت مواقع وتجمعات للجيش الإسرائيلي في البياضة، مؤكداً تحقيق إصابات مباشرة، في سياق الرد على الغارات وخرق وقف إطلاق النار.

 

في المحصلة، تُظهر هذه المعطيات تلازماً واضحاً بين مسارين: تصعيد عسكري يسعى إلى تعديل قواعد الاشتباك، ومسار داخلي يحاول احتواء ارتداداته السياسية والاجتماعية. وفي هذا التلاقي، تبدو “تشققات التفاوض” أكثر من مجرد خلاف سياسي، إذ تتحول إلى اختبار لقدرة الداخل اللبناني على الصمود أمام الضغوط المتقاطعة.

وعليه، يصبح ضبط الإيقاع الداخلي، سياسياً وإعلامياً، جزءاً من معركة موازية لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية، في ظل إدراك متزايد بأن أي انزلاق داخلي سيعيد خلط الأوراق، ليس فقط في ميزان التفاوض، بل في بنية الاستقرار اللبناني ككل.