غيب الموت أحد أعمدة صناعة الكوميكس في العالم، الكاتب الشهير جيري كونواي، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 73 عاماً يوم الأحد في “ثاوزند أوكس” بكاليفورنيا. وأكدت زوجته، لورا كونواي، أن “مهندس الصدمات” فارق الحياة نتيجة مضاعفات إصابته بـ سرطان البنكرياس، لتنتهي بذلك مسيرة إبداعية لم تكتفِ برسم الأبطال، بل أعادت صياغة مفهوم “البطولة” ذاته.

عبقرية مراهق

وُلد كونواي في بروكلين في 10 سبتمبر 1952، وكان شغوفاً بالقصص المصورة منذ طفولته. لم ينتظر طويلاً ليترك بصمته؛ إذ بدأ الكتابة وهو لا يزال مراهقاً، وبحلول سن الـ 19، حصل على الوظيفة التي وصفتها “مارفل” بأنها “العمل الذي غير حياته وصناعة الكوميكس للأبد”: كتابة سلسلة “The Amazing Spider-Man”.

وفي هذا العمر الصغير، لم يكن كونواي يكتب لمجرد التسلية، بل كان يضع اللبنات الأولى لعصر جديد من الواقعية الدرامية.

 قتل حبيبة البطل

شهدت مسيرة كونواي “لحظات مفصلية” أعادت تعريف العلاقة بين القارئ والبطل الخارق. كان هو العقل المدبر وراء واقعة “وفاة غوين ستاسي”، حبيبة بيتر باركر، وهي الصدمة التي هزت وجدان القراء في السبعينيات وكسرت القاعدة التي تقول إن أصدقاء البطل دائماً في أمان.

وعن فلسفته في الكتابة، قال كونواي في مقابلة عام 1981: “أنا أكتب للجزء الشاب والبدائي في نفسي.. وإذا أحب البالغون هذه الكتب، فذلك بسبب الحنين إلى ذلك المفهوم البدائي والسهل للهدف البطولي”.

تمرد الجمجمة

ابتكر كونواي شخصية “المعاقب” (The Punisher)، ذلك البطل المضاد الذي يرتدي شعار الجمجمة الشهير. ومع تحول هذا الشعار إلى رمز استخدمته بعض قوات إنفاذ القانون في السنوات الأخيرة، لم يقف كونواي صامتاً، بل اعترض بشدة قبل نحو عقد من الزمان على وضع ملصقات “المعاقب” على سيارات الشرطة، مؤكداً في منشور له أن الشخصية “بطل مضاد معقد أخلاقياً، ولا ينبغي لرجال الشرطة محاكاته”.

 قلوب مجروحة

يقول كيفن فيجي، رئيس استوديوهات مارفل، إن كونواي كان يمتلك قدرة فائقة على “دمج البطولات الخارقة والمثيرة مع الجوانب البشرية الملموسة”، وهو ما خلق قصصاً وشخصيات خالدة. لم تتوقف ريشته عند سبايدر مان، بل كتب لأهم عناوين مارفل مثل “Fantastic Four” و”Thor” و”The Incredible Hulk”.

كما امتد أثره إلى “دي سي كوميكس”، حيث ساهم في تشكيل شخصيات باتمان وسوبرمان و”رابطة العدالة”، وشارك في ابتكار (Firestorm) و(Jason Todd) و(Power Girl).

 مسيرة الإبداع

لم تمر عبقرية كونواي دون تقدير رسمي من الصناعة؛ حيث حصد جائزة “إدغار” (Edgar Award) المرموقة، وهي من أرفع الجوائز التي تُمنح لكتاب الغموض والجريمة، وذلك عن عمله في السلسلة التلفزيونية الشهيرة (Law & Order).

كما فاز بجائزة “إنك بوت” (Inkpot Award) عام 1991 لإنجازاته في مجال الفنون المصورة، بالإضافة إلى ترشيحه لعدة جوائز “إيمي” خلال مسيرته في كتابة السيناريو التلفزيوني، مما يجعله أحد القلائل الذين نجحوا في نقل “الأبطال” من الورق إلى الشاشة بنفس القوة.

رغم أن كونواي كاتب، إلا أن الشخصيات التي ابتكرها تحولت إلى ماكينات لجني الأرباح؛ فالسلاسل السينمائية التي استندت إلى كتاباته لـ “سبايدر مان” و”باتمان” حققت إيرادات شباك تذاكر تجاوزت 10 مليارات دولار عالمياً.

وبشكل أخص، شخصية “المعاقب” (The Punisher) التي شارك في ابتكارها، تحولت إلى امتياز تجاري ضخم (Franchise) شمل 3 أفلام سينمائية وسلسلة ناجحة على منصة “نتفليكس”، مما جعل شعار “الجمجمة” أحد أكثر الرموز مبيعاً في قطاع “المرتشندايز” والملابس حول العالم.

 الأرقام القياسية

يُصنف كونواي كواحد من أكثر الكتاب إنتاجاً في تاريخ مارفل؛ إذ كتب ما يقرب من 150 عدداً من سلسلة “The Amazing Spider-Man” وحدها.

وفي “دي سي كوميكس”، استمرت حقبته في كتابة سلسلة “Justice League of America” لثماني سنوات متتالية (من عام 1980 إلى 1986)، وهو رقم قياسي في تلك الفترة، مما يعكس قدرته المذهلة على الحفاظ على تدفق القصص دون فقدان العمق الدرامي الذي ميزه.

بعيداً عن الأرقام، تركت فلسفة كونواي أثراً اقتصادياً في “سوق المقتنيات”؛ فالأعداد الأولى التي كتبها، وخاصة العدد رقم 121 من “سبايدر مان” (الذي شهد وفاة غوين ستاسي)، تُباع اليوم في المزادات بآلاف الدولارات، وتُعتبر “عملة نادرة” لهواة الجمع، مما يثبت أن “اللحظات المفصلية” التي صنعها مراهق من بروكلين أصبحت مع مرور الزمن استثمارات ثقافية ومادية لا تقدر بثمن.

حتى في أيامه الأخيرة، ظل كونواي مخلصاً لجمهوره الذي أحبه. وتروي زوجته لورا أنه في آخر جلسة توقيع علنية له في فبراير الماضي، ورغم شعوره بالتعب والآلام الشديدة مع انتشار السرطان، أصر على البقاء ساعتين إضافيتين لضمان توقيع كتب كل مشجع في الطابور ومنحهم لحظة للحديث عن الكوميكس.

رحل كونواي تاركاً خلفه زوجته وابنتين، وإرثاً لا يُمحى، لخصته أرملته بكلمات مؤثرة: “الانفصال عن توأم الروح هو نوع فريد من الألم، لكنني ممتنة للوقت الذي قضيناه معاً، والذي غير حياتنا كلياً”.