رواية “الرغبة الأخيرة” (منشورات صفصافة، القاهرة، ترجمة: عماد الدين رائف، 2025) للأوكرانية ليفهينيا كونونينكو التي هي بحسب الغلاف الأخير “من أهم أعلام الأدب الأوكراني المعاصر. رواية تنقلنا الى حقبة مفصلية في التاريخ الأوكراني المعاصر، حقبة بين نهايات الاتحاد السوفييتي وقيام أوكرانيا المستقلة. “الرغبة الأخيرة” ليس فقط عنوان الرواية، بل هو بحسبها أيضاً عنوان المخطوطة التي تركها إيفاك الروائي الذي كان له اسم في الأدب السوفييتي وترجم إلى كل اللغات، وبخاصة روايته “الجلّاد”.
إيفاك كان في رواياته تلك أميناً للواقعية الاشتراكية، دمغة الأدب السوفييتي. لا نجد في “الرغبة الأخيرة” هذا المصطلح، نجد بدلاً منه “الأدب السوفييتي”. إيفاك في أدبه وفي حياته في خدمة النظام، رغم أن هناك من وجد في روايته “الجلّاد” هزءاً بخفية من النظام السوفييتي. المهم أنّ الأدب ذلك الحين كان دعاوى زائفة وتلفيقات بحتة، لكن الاتحاد السوفييتي لا يلبث أن ينفرط، وتستقلّ جمهورياته، ومن بينها أوكرانيا. لم يعد لإيفاك الاسم الذي كان له، ولا المنصب الذي حازه من قبل. دار النشر التي يعمل فيها اقتصرت على خمسة كتب سنوياً، وهو بعد أن أصبح مغموراً، يكتب لأول مرّة سيرته الحقيقية، في كتاب لا يعلم به ابنه وأحفاده، لكنّ مجهولاً يحمله إليهم. هذه السيرة حملت عنوان الكتاب “الرغبة الأخيرة”.
في رواية إيفاك هذه نعثر، لا على حقيقته فحسب، بل على حقيقة النظام السوفييتي أيضاً. يعود إيفاك إلى حياته الأولى في الوادي، الذي بيوته ليست من حجر ولا خشب، بل من مادة مجهولة، كذلك أشجاره ليست أشجاراً إلا بالاسم. إيفاك هذا تصلُه علاقة بأتروشكا من الأقلّية الألمانية، هذه تحميه لدى الاحتلال الألماني، بضابط ألماني، الأمر الذي يوفر له حياة مرفهة، لكن الألمان يتركون البلد فيما يعاود السوفييت السيطرة عليه. إيفاك عندئذ يتلقى عرضاً بأن ينتمي إلى مدرسة الأمن لقاء الغضّ عن ماضيه مع الألمان. ليس له إلا أن يقبل، سيؤمّن له هذا بيتاً وعملاً في بلد يحلم الجميع فيه بالهجرة، إلى حيث يتوفر الخبز والمنزل والحرية.
سيكون له أن يعمل بعد ذلك في مركز للأمن، وأن يكون عمله، الذي يوقّع على إقرار بعدم الإفصاح عنه، هو في غرفة 31، حيث يشترك مع زميل له في إعدام المعتقلين شنقاً، يقرأ الزميل الحُكم ويغطّي هو وجه المحكوم، ويزيح من تحت قدميه المنصة، ليبقى معلّقاً من الحبل. ستكون هذه مهمّته التي يُصادف فيها أحياناً أحوالاً عجائبية، كتلك التي صادفها مع غابرييلا ديوس، التي أعفته وزميله من الشاي والخمر المنصوص عليها في حقوق السجين، إلا أنها أبقت على الصلاة التي صدح صوته بها، وبلغة لا يعرفها، لكنها تستعصي على الشَّنق وتبقى حيّة بعد فشله. ديوس هذه سنصادفها بعد انهيار النظام السوفييتي، سنُصادف الضابط الألماني وقد استقرّ في ألمانيا الشرقية بعد سقوط النازية. سنتعرّف على أُسرة إيفان، ابنه وابنته وأحفاده، وسيموت إيفان في عمله تاركاً روايته تلك بين أيدي الموظّفين، الذين تعبوا حتى وصلوا إلى ابنه وسلّموه السيرة.
تكشف آليات القمع الشمولي وتطرح أسئلة عميقة حول السلطة
روايته تلك، سيرته، يكتبها بالقلم على دفتر أهداه له حفيده بمناسبة عيد ميلاده. هذا الدفتر يبقى مدموغاً بصورة الجرو التي على غلافه. يتكرّر ذِكرُ هذه الصورة مرّات كثيرة، حتى إنّ الجرو الذي تمثّله يغدو من شخصيات الرواية. هذا الجروُ الذي تذكّر صورته إيفاك بجروٍ عرفه في طفولته، وقام بقتله، هو أيضاً ذو دلالة في نظام الشنق من علائمه والحياة فيه محتقرة إلى هذا الحدّ، والناس فيه لا يجدون مأوى لمبيتهم.
مهنة القتل هذه تبدو وكأنها من يوميات النظام، بل ومن نثرياته. النظام هكذا يبدأ من الغرفة 31، التي هي حضيضه بقدر ما هي عنوانه ومعناه. تحول الشانق والأمني إلى كاتب، لا يدين فقط النظام الشمولي بقدر ما يدين الوضع البشري برمّته. رواية كونونينكو استطراد لأعمال كافكا التي لا تحاكم الأنظمة فقط بل الإنسان بكليته، إذ الأنظمة تعبير جليّ عن الأزمة والمأزق الإنسانيين.
* شاعر وروائي من لبنان
