في سبعينيات القرن الماضي، وفي وقت كانت فيه الساحة الموسيقية تشهد تحولات لافتة مع ظهور الفرق الموسيقية ومحاولات كسر القوالب التقليدية، ومع انتقال الراية تدريجيا من جيل العمالقة مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وغيرهما من نجوم الطرب الأصيل، جاء هاني شاكر ليؤكد استمرارية هذا اللون الغنائي، حاملا راية الطرب الكلاسيكي.

وعلى مدار مسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن، تمكن هاني شاكر من الحفاظ على روح الغناء الطربي، مقدما حضورا ثابتا ومتجددا، ومحتفظا بمكانته وجمهوره عبر أجيال متعاقبة.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2ابنة مارادونا تتهم أطرافا جديدة وتكشف أسرارا عن كواليس وفاة أسطورة كرة القدمlist 2 of 2وفاة “أمير الغناء العربي” هاني شاكر وابنه ينعاه بكلمات مؤثرةend of listمن كورال حليم إلى سيد درويش

في 21 ديسمبر/كانون الأول 1952، ولد هاني شاكر في أسرة مصرية متوسطة، حيث كان والده يعمل موظفا في مصلحة الضرائب، بينما عملت والدته في وزارة الصحة. ومنذ سنواته الأولى، ظهرت ملامح شغفه بالفن، ما دفع أسرته إلى دعمه والالتحاق بمعهد الكونسرفتوار إلى جانب دراسته، ليبدأ خطواته المبكرة في عالم الموسيقى، بالتوازي مع مشاركته في برامج الأطفال التي كان يقدمها التلفزيون المصري، منها “أبلة فضيلة” و”ماما سميحة”. وفي تصريحات تلفزيونية له، قال إن مسيرته بدأت بالمشاركة ضمن كورال أغنية “بالأحضان” مع عبد الحليم حافظ.

وفي عام 1966، لفت شاكر أنظار المخرج أحمد بدرخان، الذي اختاره، وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة، لتجسيد شخصية سيد درويش في فيلم “سيد درويش”، إلى جانب كرم مطاوع وهند رستم. وقدم هاني شاكر الشخصية في مرحلتي الطفولة والمراهقة، جامعا بين التمثيل والغناء، وهو ما ساهم في لفت الأنظار إلى موهبته مبكرا.

وجاءت الانطلاقة الحقيقية عام 1972، حين اكتشفه الملحن محمد الموجي وقدم له أغنية “حلوة يا دنيا” التي كانت بوابته الأولى نحو الانتشار، ليبدأ بعدها في تثبيت أقدامه وسط كبار نجوم الغناء في مصر، مثل محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ.

في هذا الوقت ارتبط اسم هاني شاكر بأزمة أثيرت إعلاميا مع عبد الحليم حافظ، بعد أن أشارت تقارير صحفية إلى علاقة بين ظهور هاني شاكر ودعم الملحن محمد الموجي له، وبين الخلاف القائم آنذاك بين الموجي وعبد الحليم، ما خلق انطباعا بوجود صراع فني غير حقيقي.

إعلان

لكن هاني شاكر أوضح في أكثر من مناسبة أن هذه الأزمة صنعتها التغطيات الصحفية، مؤكدا أنه لم يكن طرفا في أي خلاف، وأن علاقته بعبد الحليم قامت على التقدير والإعجاب منذ البداية. وأشار إلى أن أول لقاء جمعهما حمل قدرا كبيرا من الاحترام.

محطات تمثيلية

شهدت تلك المرحلة حضورا لافتا لهاني شاكر على الشاشة، إذ خاض تجارب تمثيلية خلال سبعينيات القرن الماضي، من بينها فيلم “عندما يغني الحب” عام 1973 بمشاركة عادل إمام وصفاء أبو السعود، كما شارك في أفلام أخرى مثل “عايشين للحب” و”هذا أحبه وهذا أريده”، إضافة إلى المسرحية الاستعراضية “سندريلا والملاح”.

ورغم هذا الحضور، اتجه شاكر إلى التركيز على مسيرته الغنائية، مبتعدا عن التمثيل لفترة، قبل أن يعود من خلال فوازير “الخاطبة” أمام نيللي عام 1981، ثم شارك في سهرة “عيون لا ترى الحب” عام 1983، ليظل ظهوره على الشاشة محدودا بعد ذلك، حتى كانت إطلالته الأخيرة عام 2018 من خلال مسلسل “حبيب الله”.

مسيرة غنائية حافلة

على مدار مسيرته، قدم هاني شاكر تجربة غنائية ثرية، عبر ما يقرب من 29 ألبوما وأكثر من 600 أغنية، شكلت ملامح مشروعه الفني القائم على الحفاظ على روح الأغنية الرومانسية الكلاسيكية. ومن بين أبرز أعماله: “على الضحكاية”، “ولا كان بأمري”، “ياريتك معايا”، “حكاية كل عاشق”، “الحلم الجميل”، “قربني ليك”، و”بعدك ماليش”، وهي أغنيات رسخت حضوره كأحد أهم أصوات هذا اللون الغنائي.

ورغم التحولات الكبيرة في شكل الأغنية العربية، من الأعمال الطويلة إلى الإيقاع السريع، تمسك هاني شاكر بهويته، محافظا على البناء اللحني التقليدي والكلمة الرصينة، دون أن ينفصل تماما عن التطور، بل قدم تحديثا محسوبا داخل نفس الإطار، ما جعله واحدا من القلائل الذين حافظوا على هذا الخط دون انقطاع.

Egyptian singer Hani Shaker gives a concert at the International Stadium in the West Bank city of Jericho on December 11, 2008. Thousands of Palestinians turned out to watch Shaker give a concert on the last day of the Muslim feast of Eid al-Adha. AFP PHOTO/ABBAS MOMANI (Photo by ABBAS MOMANI / AFP)هاني شاكر أحد أبرز رموز الغناء في الوطن العربي (الفرنسية)

وتعاون شاكر خلال رحلته مع عدد كبير من صناع الأغنية، من بينهم حسن أبو السعود ومصطفى كامل وصلاح الشرنوبي وبهاء الدين محمد ومجدي النجار وغيرهم، وهو ما أتاح له تنوعا موسيقيا داخل الإطار الكلاسيكي الذي يميزه.

وكان ألبوم “بعدك ماليش” عام 2010 من أبرز محطاته وحقق نجاحا جماهيريا كبيرا، قبل أن يعود بعد فترة غياب بألبوم “اسم على الورق” عام 2016، ثم واصل حضوره بإصدار ألبوماته “كن فيكون” عام 2021، مؤكدا استمراره في تقديم نفس المدرسة الغنائية التي آمن بها، وكان آخر ألبوماته قبل عامين 2024 بعنوان “اليوم الجميل”.

ورغم ارتباط هاني شاكر بالمدرسة الكلاسيكية، لم يتوقف عند حدودها، لكنه سعى في السنوات الأخيرة إلى تقديم نفسه بشكل أكثر مواكبة للتغيرات، سواء من خلال شكل الكليبات أو عبر التعاون مع جيل جديد من الشعراء والملحنين. وظهر ذلك بوضوح في أعمال مثل “لو سمحتوا” و”فرق في الإحساس”، التي حملت إيقاعات أكثر حداثة في موازنة واعية بين التطور والحفاظ على هويته، وهي معادلة استطاع تحقيقها دون أن يفقد ملامحه الأساسية.

ولا ينفصل هذا المسار عن فلسفته الفنية، التي يرى فيها الغناء رسالة تحمل قيما ومعاني، وهو ما يفسر موقفه الدائم الرافض لما يعتبره خروجا عن الذوق العام، في مقابل تمسكه بصورة الفنان التي تعكس الرقي والالتزام. كما أسهم هذا النهج في ترسيخ مكانته عربيا، حيث يتمتع بشعبية واسعة في بلاد الشام والمغرب العربي، بوصفه أحد أبرز الأصوات التي حافظت على هوية الطرب المصري وهو ما منحه لقب “أمير الغناء العربي”.

النقيب في مواجهة “المهرجانات”

تولى هاني شاكر منصب نقيب المهن الموسيقية عام 2015، ثم تم تجديد الثقة فيه مرة أخرى عام 2019، ليجد نفسه في مواجهة مباشرة مع التحولات التي شهدتها الساحة الغنائية، وعلى رأسها انتشار ما يسمى بأغاني “المهرجانات”.

إعلان

ومن موقعه كنقيب، تبنى موقفا حاسما في التعامل مع هذه الظاهرة، معتبرا أن الغناء لا ينفصل عن القيم والذوق العام، وهو ما انعكس في قراراته بتنظيم العمل داخل المجال، ومنع غير المقيدين بالنقابة من إحياء الحفلات. وقد أثارت هذه الإجراءات جدلا واسعا، بين من رأى فيها دفاعا عن هوية الفن المصري، وآخرين اعتبروها تضييقا على أنماط جديدة.

ورغم الانتقادات، ظل موقفه ثابتا، مؤكدا أن ما يقوم به يأتي في إطار حماية الأغنية المصرية والحفاظ على تقاليدها، في مواجهة موجات سريعة الانتشار لا تعبر، من وجهة نظره، عن نفس المعايير الفنية.

التراجيديا الشخصية والصمود

عاش هاني شاكر حياة أسرية مستقرة منذ زواجه من نهلة توفيق في ثمانينيات القرن الماضي، ورزق بابنته دينا وابنه شريف، قبل أن يتعرض لعدد من الصدمات، أبرزها وفاة شقيقه الأكبر ماجد عام 1998.

لكن التحول الأكبر في حياته جاء عام 2011، مع رحيل ابنته دينا عن عمر 27 عاما بعد صراع مع مرض السرطان، وهو الحدث الذي انعكس بشكل واضح على حالته الفنية، حيث ابتعد عن الساحة لفترة قبل أن يعود ويصرح أنه عاش أقسى ابتلاء، كاشفا عن أنه اكتشف مرض ابنته بعد ولادتها لتوأمها مجدي ومليكة. عاد بعدها هاني شاكر إلى الغناء بدعم جمهوره، وظهر ذلك في أغنياته التي حملت طابعا أكثر حزنا وصدقا، خاصة في “برواز صورتك”، التي ارتبطت برحيل ابنته، لتصبح من أبرز أعماله في هذه المرحلة.

ويبقى هاني شاكر أحد أبرز رموز الغناء في الوطن العربي، وهو ما ظهر بوضوح في حجم الحزن الذي رافق خبر رحيله في 3 مايو/أيار 2026، حيث خيمت حالة من الحزن على الوسط الفني، وحرص عدد كبير من النجوم على وداعه بكلمات مؤثرة، بعد معاناة استمرت لأشهر مع المرض.