لم يكن الهدوء المعتاد لشارع السنترال بمركز أبنوب في أسيوط، مساء الثامن عشر من مايو، سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة، دقائق معدودة تحول فيها المشهد الروتيني الصاخب إلى لحظات حبست أنفاس المحافظة؛ معركة غير متكافئة بدأت باصطدام سيارة “جيب” طائشة، وانتهت بزخات رصاص من سلاح آلي صبّ جنونه على الأبرياء، ليرحل 8 قتلى ويصارع 5 مصابين الموت، في ليلة أدمت قلوب الصعيد، “مصراوي” يعيد بناء الأحداث والقصة الكاملة للمجزرة من واقع شهادات العيان والتحريات الأمنية.

الحادث العابر وملاحقة الـ “جيب”

كان الشاب “رجب” يقف أمام أحد الكافيهات بشارع السنترال، منهمكاً في تجهيز أدوات السباكة لبدء عمله، بينما يجلس قريبه الشاب “كمال عبدالله” يراقبه عن كثب، فجأة، شق السكون اندفاع سيارة ملاكي من نوع “جيب” يقودها برعونة رجل أربعيني يُدعى “عاطف. خ” (48 عاماً).

صدمت السيارة الجيب دراجة نارية وأصابت قائدها، وبدلاً من التوقف لإسعافه، ضغط السائق على دواسة الوقود وفر هارباً، هنا ثارت حمية الشباب وغضبهم؛ استقل اثنان من أقارب المجني عليه دراجة نارية وانطلقا خلف السيارة الـ “جيب” لتتبعها، وبالفعل نجحا في محاصرتها وتوقيفها بالقرب من أحد المداخل القريبة من المركز للاستفسار من السائق عن سبب دهسه للشاب وهروبه.

فخ “الكاميرات” وثورة الرشاش العشوائي

عندما حوصرت السيارة الجيب، تجمع عدد من المواطنين والمارة بموقع التوقيف، بدا التوتر والارتباك واضحاً على وجه السائق “عاطف”، وفي تلك اللحظات، أخرج بعض المتواجدين هواتفهم المحمولة وبدأوا في تصويره لتوثيق الواقعة وضمان حق المصاب.

هذا الحصار البصري بكاميرات الهواتف كان بمثابة الفتيل الذي فجّر بركان الغضب والاضطراب داخل السائق؛ إذ تبين لاحقاً أنه يعاني من اضطرابات نفسية حادة ويتلقى العلاج بمصحة في القاهرة، أدرك المتهم أنه محاصر، فلم ينطق بكلمة، بل امتدت يده بجنون إلى مقعد سيارته ليخرج “بندقية آلية” (رشاش).

في مشهد سينمائي مرعب وثقته كاميرات المراقبة لاحقاً، قام المتهم بتبديل خزينة السلاح الفارغة بأخرى ممتلئة بالرصاص، وبدأ في إطلاق النار بشكل مباشر وصادم، لم يستهدف فقط الشابين اللذين لاحقاه، بل دار بسلاحه يميناً ويساراً ليطلق النار “عشوائياً” على كل ما يتحرك في الشارع، ليتحول الموقف في ثوانٍ إلى بركة دماء سقط فيها الرجال والنساء صرعى، وسط صرخات الذعر وحالة من الذهول الصادم.

المطاردة والفرار إلى حقول الموت

عقب ارتكاب المجزرة وسقوط الـ 13 ضحية ومصاباً، استغل المتهم حالة الفوضى والهلع وفر بالسيارة مجدداً، تلقت شرطة النجدة البلاغ الفاجع، وعلى الفور تحركت قوافل الأمن بقيادة اللواء وائل نصار، مدير أمن أسيوط، لفرض السيطرة الأمنية وتتبع خط سير الجاني.

أظهرت التحريات تتبّع المتهم حتى تبين فراره وترجله تاركاً سيارته للاختباء داخل قطعة أرض زراعية شاسعة بدائرة المركز. ضربت قوات الأمن حصاراً محكماً على المنطقة، ومع اقتراب رجال المباحث من مخبأه، بادر المتهم بإطلاق النار صوب القوات مستخدماً ذات الرشاش، لترد عليه الأجهزة الأمنية بقوة في تبادل شرس لإطلاق النيران، انتهى بمصرع “سفاح أبنوب” في موقع الحادث مدرجاً بدماء جنونه.

ليلة الوداع الحزين أمام المشرحة

بينما كان فريق النيابة العامة يمشط موقع الحادث ويعاين آثار الرصاص بالشارع، كان هناك مشهد آخر يبكي الحجر أمام مستشفى أسيوط الجامعي. تجمع المئات من أهالي قرية “أبنوب الحمام” والقرى المجاورة في طوابير يعتصرها الألم، بانتظار انتهاء مناظرة الجثامين.

ومع الساعات الأولى للصباح، أصدرت النيابة العامة قرارها الرسمي بالتصريح بدفن الجثامين الـ 8. وفي أجواء طغى عليها الانكسار والأسى، ووسط دموع الأمهات وصيحات المودعين، خرجت النعوش تباعاً من ثلاجة الموتى بالمستشفى مستقلة سيارات الإسعاف لتشييع الضحايا إلى مثواهم الأخير بمقابر ذويهم، لتطوى صفحة “معركة الجيب والرشاش” قانونياً بمقتل الجاني، لكنها تترك جرحاً غائراً في وجدان أسيوط لن تداويه الأيام.

اقرأ أيضا:

“استقل سيارة جيب واصطدم بدراجة”.. شهود عيان يكشفون تفاصيل جديدة حول مجزرة أبنوب- فيديو

8 قتلى و5 مصابين.. ننشر الصور الأولى لضحايا حادث إطلاق النار العشوائي في أبنوب بـ أسيوط

بالصور.. النيابة تكشف ملابسات واقعة إطلاق نار عشوائي على مواطنين بأبنوب

الجاني مضطرب نفسيًا.. القصة الكاملة لواقعة إطلاق نار عشوائي على مواطنين بأبنوب

8 جثث و5 مصابين.. ننشر أسماء ضحايا إطلاق النار العشوائي بأبنوب

بعد مطاردة مع الشرطة.. تصفية المتهم بإطلاق النار العشوائي في أبنوب (فيديو وصور)

دماء بشارع السنترال.. 3 جثث و8 مصابين في إطلاق نار عشوائي بأبنوب (فيديو وصور)

رعب في أبنوب.. مسلح يطلق النار عشوائيًا على مواطنين بأسيوط (صور)