عملٌ فني معروض في الجناح المركزي ببينالي فينيسيا، 6 مايو 2026 (Getty)

الاتهامات الموجهة إلى ثلاثة فائزين وصلوا إلى القائمة النهائية لجائزة الكومنولث للقصة القصيرة (من أصل خمسة كتّاب يمثلون أفريقيا وآسيا والكاريبي وكندا وأوروبا والمحيط الهادئ) باستخدامهم الذكاء الاصطناعي لتوليد نصوصهم، أثارت شكوكاً تتجاوز فضيحة “السرقة” التي لم يؤكدها منظمو الجائزة أو ينفوها، وتنصب حول تصوّر غربي يعتبر الغموض والغرابة سمة الأدب الجيد القادم من بلدان العالم الثالث بشكل خاص.

تعليقات ساخرة اتهمت لجنة التحكيم بالانفصال عن الواقع، إذ انحاز أعضاؤها إلى أنماط أسلوبية جاهزة وغير مؤثرة، ما يعني تدهور ذائفتهم بالإضافة إلى جهلهم بالتطور التقني، خلافاً للفائزين المتهمين وهم الكاتب الترينيدادي جمير نذير بما ينشره على حسابه في “لينكد إن” حول قدرة AI على تغيير العالم، والذي يعمل مع الكاتبة الهندية شارون أروباراييل في مجال الاتصالات، ويشتركان مع الكاتب المالطي جون إدوارد ديميكولي في كونهم مغمورين ولا كتابات سابقة لهم ذات أهمية. وعند اللجوء إلى منصة Pangram، أظهرت النتائج أن قصتي نذير وديميكولي مولدتان بوساطة الذكاء الاصطناعي بالكامل، وكذلك 89% من نص قصة أروباراييل.

أصحاب النصوص الفائزة ينالون مكافأة رمزية قدرها 2500 جنيه إسترليني، لكن الأهم هو نشر قصصهم في مجلة غرانتا الأدبية اللندنية التي ساهمت طوال الفترات الماضية في ترسيخ أصوات من الجنوب في العالم الغربي. وبغض النظر عن إشارة محرري المجلة في تقديم هذه القصص إلى الاتهام الموجه إلى كتّابها بالانتحال، ستبقى منشورة إلى حين ظهور أدلة قاطعة ثتبت تلك الاتهامات، من دون أي إحساس بالمسؤولية تجاه كمّ الاستعارات الرديئة والتراكيب الركيكة فيها.

إصرار الغرب على رؤية الآخر موضوعاً مستعصياً على الفهم

في قصة “الثعبان في البستان” لنذير، تستعمل عبارات غريبة وخالية من الدهشة في وصف البطلة بأنها امرأة مثيرة، ومنها: “كانت مشيتها تجعل المقاعد تبدو مثل رجال” أو “ابتسمت الفتاة مثل شروق الشمس فوق حوض غسل الأطباق”، أو أن “الحانة مائلة على الطريق مثل ضرس مسوّس”، وسوّغ عضو لجنة التحكيم أسباب اختياره بأن لغة الكاتب غنية بالإيحاءات وترسم صوراً نابضة بالحياة في اقتصاد ملحوظ!

أما أروباراييل فتميل إلى لغة أكثر واقعية في قصتها “ليالي الحناء”، لكنها تقدم صوراً مفككة وفقيرة في دلالتها، فتكتب “رائحة أوراق الشجر المفتتة تتحول إلى حديد في أنفي”. تدور الأحداث في أحد الأحياء الشعبية في مدينة مومباي الهندية حيث تتعرض فيها النساء لظلم وقهر شديدين، وكلّ ما يفعلنه هو مزيد من الخضوع لإرادة رجال قساة غلاظ، لكن عضو لجنة التحكيم أوضح أن النص يوسّع آفاق السرد ويتجاوز حدود الواقع المألوف. هنا، يتعمّق السؤال حول أزمة القصة القصيرة في العالم، التي تغيب فيها الحبكة باعتبارها عنصراً أساسياً من دون تعويض ذلك بأشكال كتابية جديدة أو إدهاش في سرد التفاصيل بعيداً عن القوالب التي ابتكرت بها.

عند النظر إلى هذين الكاتبين تحديداً بالنظر إلى أصولهما، فإن ما جذب الانتباه إلى نذير يتعلق بالإبهام والابتذال في نصه، وإلى أروباراييل يتصل بمعاناة النساء في بلدان فقيرة وطرفية. نحن أمام تقييم ينزع عن الأدب إنسانيته في ظل إصرار الغرب على رؤية الآخر موضوعاً مستعصياً على الفهم.