معارك خارج النص، وبعيدا عن الشاشة التصق بفيلم (أسد)، قبل أن تتاح له فرصة العرض أمام القاضى العادل (الجمهور)، الاتهام بـ(الأفروسنتريك)، ادعاءات كاذبة استسلم لها البعض ورددوها، تقول إن الحضارة المصرية مدينة للعرق الأفريقى الأسود، وأنهم صنعوا كل تفاصيل هذه الحضارة التى تحولت إلى عشق فى العالم كله، كانت ولاتزال تحتفظ بقدرتها على إبهار العالم، أسرار تلك الحضارة لايزال الجزء الأكبر منها يشكل لغزا.
لدينا شاشة ثرية قادها بكل إبداع محمد دياب مخرجا ومشاركا فى الكتابة مع شقيقه خالد وشقيقته شيرين، فى قانون السينما المصرية، مهما بلغت موهبة المخرج سوف تكتشف أن هناك معوقات تصطدم بهذا الطموح، أولها النجوم، إذا لم تحصل على توقيع نجم الشباك، ربما لا يرى أبدا الفيلم النور.
ستجد مثلا (الأفيش) وهو بداية التعاقد، وبرغم أن اسم الفيلم يسمح بأن نرى (الأسد) منفردا على أرض الواقع شاهدنا كل الأبطال الرئيسيين، لأول مرة نجم مصرى يقدم شخصية بطل فاقد قدرته الجنسية بعد أن تم إخصاؤه، وهو ما ستجد أن أغلب نجومنا يتجنبونه طوال التاريخ.
الخطأ الأكبر الذى ارتكبه الفيلم أنه أشار فى البداية إلى زمن الحدث ١٩٤٠ فى إصدار مرسوم بتحرير العبيد، وبعدها اختلطت الأحداث، تغافل أنه يقدم رؤية خيالية على المستوى الدرامى، كان يكفى فقط بعد توثيق التاريخ يكتب ملحوظة أن كل هذه الشخصيات والأحداث من خيال الكاتب، أغلب ما نراه يتناول حياة شخصيات مثل نابليون وهتلر وغاندى وغيرهم، داخل نسيج الفيلم أحداث مختلقة أو فى الحد الأدنى غير موثقة.
السينما تسمح برؤية تتجاوز الوثيقة بشرط مراعاة أن العقد شريعة المتعاقدين، العقد لم يشهره المخرج.
الشاشة التى قدمها دياب جاذبة إبداعيا، والفيلم يسمح بقراءة تتجاوز اللحظة التاريخية فى توجهه إلى الحديث عن الحرية التى تمنح بإرادة الحاكم، إلا أنها فى عمقها يجب أن تنتزع، سوف يأتى مباشرة على خيالك الفيلم العظيم (سبارتاكوس) ١٩٦٠ إخراج استانلى كوبيرك وبطولة كيرك دوجلاس،
المخرج المصرى لم يضع أمامه مرجعية أجنبية، حاول أن يبحث عن رؤيته الخاصة لقضية العبودية.
لعب (دياب) دراميا على هذا الاختلاط العرقى، بين الأبيض والأسود، كل الشخصيات ستلمح أنها كانت تخفى سرا بأن لهم جذورا مع اللون الأسود، ابن أو أب أو أم أو زوج، الحكاية يقدمها دياب، أقرب إلى حالة التلقين، الحسناء البيضاء رزان جمال تشعر منذ الطفولة بانجذاب إلى محمد رمضان أحد العبيد فى قصرها مع والدها الممثل الفلسطينى الكبير كمال الباشا، الحائز على جائزة أفضل ممثل من مهرجان (فينسيا) الذى صارت له مساحته على الشاشة المصرية لاتزال اللهجة تشكل عائقا، إلا أن إحساسه وحضوره أمام الكاميرا ملفت، رزان جمال اللبنانية، اختيار زكى جدا من المخرج، شاهدتها فى (كيرة والجن) لمروان حامد، وتوقعت أن تحقق خطوات أبعد، شاهدت لعلى قاسم أكثر من مسلسل فى آخر عامين وأراه بعد هذا الدور نجم قادم على الشاشة الكبيرة، ماجد الكدوانى تحية مزدوجة للمخرج محمد دياب لاختياره فى دور مساحته لا تزيد على نحو أربعة مشاهد، وتحية لماجد أنه لم يحسبها على هذا النحو. فى لحظات عديدة يصر السيناريو على تلقين جمهوره بأن الأمر أبعد من مجرد التعامل مع قصة حب بين امرأة جميلة بيضاء وعبد أسود مفتول العضلات، قررا معا أن يعبرا إلى واحة الحب، وقبل أن يأكل هو مثل العبيد من التبن تأكل هى، وقبل أن يقبل يدها تقبل هى يده.
الفيلم يستند إلى عناصر إبداعية تمنح الشاشة حضورها وألقها، تصوير أحمد بشارى وأزياء ريم العدل ومونتاج أحمد حافظ بينما تظل موسيقى هشام نزيه إحدى أهم ومضات الشاشة الإبداعية، الموسيقى التعبيرية فى بنائها تمنح الصورة تحليقا. رمضان قدم فى هذا الفيلم أحد هم أدواره، مزج بين القدرة الأدائية كممثل والجسدية كبطل أكشن، المسافة ستتقلص، فى الأفلام القادمة بين الجمع بين الشاشة والشباك، (أسد) قدم رؤية مختلفة ومغايرة للسينما، أرضا جديدة اكتسبتها شاشة السينما المصرية.
