لم تعد التهديدات الإسرائيلية الأخيرة تجاه لبنان مجرد رسائل ضغط إعلامية أو رفعاً لسقف التفاوض. فالتصعيد الكلامي الإسرائيلي عن توسيع بنك الأهداف داخل لبنان، وعدم إستثناء الضاحية الجنوبية أو حتى العاصمة بيروت، يُقرأ على أنه جزء من محاولة إسرائيلية لإعادة رسم قواعد الاشتباك والضغط المسبق على المسار التفاوضي.
المؤكد حتى الساعة، وفق معلومات خاصة لـ “المدن”، أن واشنطن أعادت التأكيد على تحييد العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية عن التصعيد إلاسرائيلي، كما تحييد البنى التحتية ومنشآت الدولة ومطار بيروت، وذلك نتيجة الاتصالات المكثفة التي أجراها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع الجانب الأميركي. لكن هذا لا يعني عملياً أن لبنان أصبح بمنأى عن أي سيناريو ميداني خطر يفرض عليه، في ظل مواصلة التفاوض تحت الضغط العسكري الإسرائيلي. فواشنطن التي ألزمت إسرائيل تحييد بيروت وضاحيتها، لم تمانع في المقابل في استمرار إسرائيل بالاغتيالات لقيادات حزب الله أينما كان، حتى لو عبر تنفيذ عمليات إغتيال دقيقة وموضعية في قلب بيروت أو الضاحية. 
رغم ذلك، لا تبدو الدولة اللبنانية في وارد تغيير مقاربتها السياسية أو التفاوضية. فالتوجيهات المعطاة للفريق اللبناني المفاوض بقيت على حالها، سواء على المستوى السياسي أو المستوى العسكري الذي يعقد إجتماعات في البنتاغون في التاسع والعشرين من الشهر الحالي، انطلاقاً من قناعة رسمية بأنّ أي تنازل في هذه المرحلة قد يفتح الباب أمام فرض وقائع أمنية أكثر صعوبة جنوباً. ولهذا السبب تحديداً، يتولى السفير سيمون كرم رئاسة الوفد اللبناني بشقيه الدبلوماسي والعسكري، في تأكيد واضح على توحيد القرار السياسي والأمني داخل مسار تفاوضي واحد.
وتكشف المعلومات أن الرئيس عون، الذي التقى الوفد العسكري قبل توجهه إلى واشنطن، شدد على أن الأولوية المطلقة تبقى لتثبيت وقف إطلاق النار ووقف عمليات جرف القرى والبلدات الجنوبية، انطلاقاً من سؤال أساسي يطرحه لبنان الرسمي: كيف يمكن للبنان أن يفاوض تحت النار، ولاسيما في حال إستمر التفلت الاسرائيلي من أي ضوابط، وإذا نفذت إسرائيل تهديداتها بتوسيع رقعة الاستهدافات؟ 
فرئيس الجمهورية يتمسك بالمطالب اللبنانية الأساسية قبل الانتقال إلى البحث في أي ترتيبات أمنية لاحقة، وهو ما يفسر السقف السياسي الذي يتحرك ضمنه الوفد اللبناني في واشنطن.

لا أمن بلا إنسحاب
تكشف مصادر سياسية مطلعة لـ “المدن”، أن الموقف اللبناني يقوم على ثلاثية مترابطة: الانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأسرى، واستقرار الحدود. وفي المقابل، تطرح الدولة بسط سلطتها الكاملة على الأراضي اللبنانية بدءاً من تثبيت وقف إطلاق النار ووقف الاعتداءات الإسرائيلية. هذه الثلاثية يحملها الوفد العسكري إلى إجتماع واشنطن.
لكن الجانب اللبناني سيركز في اجتماعات واشنطن بشكل رئيسي على وقف إطلاق النار وتثبيته قبل الانتقال إلى أي بحث في ترتيبات أمنية، خصوصاً إذا ما إستمر التصعيد الميداني، وإذا لم تنجح الاتصالات في لجم تهديدات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، لأن أي نقاش أمني قبل وقف النار سيعني عملياً، من وجهة نظر المؤسسة العسكرية، تكريس التفوق الميداني الإسرائيلي ومنح تل أبيب قدرة أكبر على فرض شروطها.
هذا الموقف يفسر طبيعة المهمة التي يحملها وفد الجيش المتوجه إلى واشنطن لعقد إجتماع مع الجانب الإسرائيلي برعاية أميركية. فالوفد، وفق المعلومات العسكرية لـ “المدن”، ليس وفداً مقرراً أو مخولاً إتخاذ قرارات نهائية، بل هو وفد تقني تفاوضي يحمل مطلبين أساسيين لا ثالث لهما: تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف عمليات تجريف القرى والبلدات الجنوبية.

لماذا يصر الجيش على وقف النار أولاً؟
داخل المؤسسة العسكرية، ثمة قناعة بأن أي إنتشار فعلي للجيش أو أي تطبيق عملي لخطة حصر السلاح سيبقى مستحيلاً في ظل استمرار الغارات والاغتيالات وعمليات التوغل الإسرائيلية. لذلك، يعتبر الجيش أن الأولوية المطلقة هي لوقف إطلاق النار، باعتباره المدخل الوحيد لأي ترتيبات لاحقة.
وفي حال تحقق ذلك، تتحدث المعلومات عن مرحلة أولى تتضمن عودة انتشار الجيش اللبناني حتى حدود الخط الأصفر المحتل شمالاً، على أن يعمل لاحقاً على جعل المنطقة الواقعة تحت سيطرته خالية من السلاح.
لكن هذه الخطة تصطدم مباشرة بالأهداف الإسرائيلية الحالية. فإسرائيل، بحسب التقديرات اللبنانية، لن تقبل بسهولة بتقييد حركتها العسكرية جنوباً، وستتمسك بما تسميه “حرية الحركة” بذريعة منع أي إعادة تنظيم أو تحرك لحزب الله.
وفي هذا الإطار، تدرك القيادة العسكرية أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إعادة الانتشار، بل في كيفية التعامل مع مطلب إسرائيلي ثابت يقوم على إبقاء هامش تدخل عسكري مفتوح داخل الجنوب اللبناني، حتى بعد أي تفاهم محتمل.
وتضيف المصادر العسكرية أن إسرائيل ستحاول المناورة ميدانياً من خلال توسيع نطاق الاحتلال، لتعود لاحقاً وتساوم على الانسحاب من النقاط التي تتقدم إليها مقابل ترتيبات أمنية أو سياسية، قبل العودة إلى الخط الأصفر.
ولهذا السبب تحديداً، ترى المصادر أن الجيش الإسرائيلي يحاول التوغل على ثلاثة محاور أساسية: 
في القطاع الشرقي توغل الجيش من دير سريان باتجاه زوطر الشرقية وأصبح وسط البلدة، وهو يحاول السيطرة بالنيران على زوطر الغربية ويحمر الشقيف وأرنون. وفي القطاع الأوسط يحاول السيطرة بالنيران على حداثا وعيتا الجبل. أما غرباً، فهناك محاولات للسيطرة بالنيران على مزرعة بيوت السياد، مجدل زون، زبقين، المنصوري، والقليلة. ويأتي هذا في إطار محاولة خلق وقائع ميدانية جديدة قبل أي تسوية محتملة.

 

من الليطاني إلى الأولي
المعلومات تكشف أيضاً أن النقاش قد يتوسع لاحقاً ليشمل المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح، وهي مرحلة تمتد جغرافياً من جنوب الليطاني حتى نهر الأولي. لكن هذا الطرح لا يزال، وفق مصادر مواكبة، في إطار النقاش النظري، لأن تنفيذه يحتاج أولاً إلى بيئة ميدانية مستقرة، ووقف كامل للاعتداءات، إضافة إلى إنسحاب إسرائيلي تدريجي من الجنوب.
وفي الحسابات اللبنانية، فإن أي محاولة لطرح ملف السلاح قبل تثبيت الانسحاب الإسرائيلي ستؤدي إلى انفجار داخلي سياسي وربما أمني، خصوصاً أن لبنان الرسمي يحاول مقاربة الملف ضمن إطار سيادي شامل، لا ضمن مقاربة أمنية إسرائيلية صرفة.

 

المنطقة الصفراء العقدة الأصعب
أما النقطة الأكثر تعقيداً، فتتمثل بما يُعرف بالمنطقة الصفراء، وهي المنطقة التي ترفض إسرائيل الانسحاب منها في المرحلة الحالية، وتعتبرها جزءاً من ترتيباتها الأمنية الجديدة على الحدود.
وتخشى بعبدا أن يتحول الإبقاء على هذه المنطقة إلى محاولة إسرائيلية لفرض شريط أمني داخل الأراضي اللبنانية، ولو بأشكال مختلفة عن تجربة الاحتلال السابقة. ولهذا السبب، يتمسك لبنان الرسمي باعتبار أي انسحاب إسرائيلي شرطاً أساسياً لأي نقاش لاحق، سواء تعلق بالترتيبات الأمنية أو بخطة حصر السلاح.
حتى الآن، لا تبدو الصورة محسومة. لكن ما يجري التحضير له في واشنطن قد يشكل مؤشراً إلى الاتجاه الذي ستسلكه المرحلة المقبلة: تهدئة تدريجية بضمانات غير معلنة، أو تصعيد مفتوح تحاول إسرائيل من خلاله فرض وقائع جديدة بالنار قبل السياسة.