
لا يختلف اثنان على الظاهرة التي صنعتها هيفا وهبي منذ اللحظة الأولى لظهورها على الساحة الفنية. فمنذ بداياتها وحتى اليوم، بقي اسمها حاضراً بقوة، سواء أحبّها الناس أو اختلفوا عليها. وهذا بحد ذاته دليل على أنها ليست فنانة عابرة، بل حالة خاصة جداً في الفن العربي، حالة استطاعت أن تفرض نفسها على مدى سنوات طويلة رغم تبدّل الأجيال وتغيّر الذوق العام وظهور عشرات الأسماء الجديدة.
هيفا وهبي ليست فقط صوتاً أو شكلاً أو أغاني ناجحة، بل مشروع نجومية كامل. نجومية فيها حضور وكاريزما وقدرة على صناعة الجدل والبقاء تحت الضوء مهما تبدلت الظروف. مرت بأزمات، واجهت انتقادات، تراجعت أحياناً وتقدمت أحياناً أخرى، لكنها لم تغب يوماً عن المشهد الحقيقي. وحتى في أصعب مراحلها، بقي اسمها قادراً على صناعة الحدث.
ومنذ انطلاقتها، حاول كثيرون تقليد هيفا. هناك من حاول تقليد صورتها، وآخرون حاولوا نسخ أسلوبها وحضورها وحتى طريقة كلامها وحركاتها، لكن التجربة أثبتت أن هيفا ليست “تركيبة” سهلة يمكن استنساخها. البعض اقترب منها شكلاً، البعض حقق نجاحات مؤقتة، لكن أحداً لم يستطع أن يكون “هيفا أخرى”، لأن الظواهر الفنية الحقيقية لا تتكرر بسهولة.
وفي الفترة الأخيرة، بدا واضحاً أن هيفا تعيش مرحلة فنية جديدة ومريحة جماهيرياً، خصوصاً بعد النجاح الكبير الذي حققته أغنية “بدنا نروق”، والتي تخطت أكثر من ٤٧ مليون مشاهدة، وتحولت إلى واحدة من أكثر الأغاني انتشاراً في النوادي الليلية والحفلات والمنصات الرقمية. الأغنية أعادت ربط هيفا بجيل جديد بالكامل، جيل ربما لم يعش بداياتها الذهبية، لكنه تعرّف إليها من خلال “الترند” والطاقة الخفيفة التي قدمتها.
ولم يكن النجاح رقمياً فقط، بل انعكس أيضاً على حفلاتها وحضورها الجماهيري، حيث استعادت هيفا جزءاً كبيراً من وهجها في عدد من الدول والأسواق الجديدة. والأهم أنها بدت أكثر انسجاماً مع فريق العمل الذي تتعاون معه حالياً، ما دفعها إلى استكمال هذا الخط عبر إصدار أغنية “شو المطلوب”.
الأغنية الجديدة جاءت امتداداً واضحاً لأسلوب “بدنا نروق”، سواء بالإيقاع أو اللغة المباشرة أو المزاج الشعبي السريع الذي يخاطب الناس بلغتهم اليومية. وهي عملياً تتحدث عن نوعية الأشخاص الموجودين في حياة الجميع: الحاسد، والناقد الدائم، والشخص الذي لا يفعل شيئاً سوى الكلام عن الآخرين ومراقبتهم وانتقادهم. وربما لهذا السبب شعر كثيرون أن الأغنية “تشبههم” أو تعبّر عنهم بطريقة ما.
ولا شك أن هيفا نفسها تعرف جيداً معنى أن يكون الإنسان محاطاً بالانتقادات والكراهية والحسد، فهي من أكثر الفنانات اللواتي تعرضن للهجوم على مدى سنوات طويلة، سواء بسبب نجاحها أو شكلها أو خياراتها أو حتى مجرد حضورها المختلف. لذلك يمكن فهم الرسالة التي أرادت إيصالها من خلال الأغنية.
لكن، رغم كل ذلك، تبقى هناك نقطة أساسية أثارت انقساماً حقيقياً بين الناس منذ لحظة صدور الأغنية وحتى اليوم، وهي استخدام كلمة “تفه”. قد يعتبر البعض أن الكلمة عادية ومتداولة بين الناس، وربما يسمعها الإنسان يومياً في الشارع أو بين الأصدقاء أو على مواقع التواصل، لكن المسألة هنا لا تتعلق فقط بالكلمة بحد ذاتها، بل بمكان قولها ومن يقولها وكيف تُقدَّم.
حين تتحول كلمة كهذه إلى جزء أساسي من أغنية لفنانة بحجم هيفا وهبي، تصبح المسألة مرتبطة بصورة الفنان ومسؤوليته وتأثيره. فالفنان ليس شخصاً عادياً يعبّر فقط عن نفسه، بل شخص يؤثر في ملايين الناس، وخصوصاً المراهقين الذين يرددون الأغاني ويحفظون كلماتها ويتعاملون معها كجزء من يومياتهم.
المشكلة ليست في الواقعية أو في نقل لغة الشارع، لأن الفن دائماً ابن بيئته وابن عصره، لكن ليس كل ما يُقال في الشارع يجب أن يتحول إلى أغنية جماهيرية تُردد في كل مكان وبين كل الأعمار. هناك فرق بين أن نسمع كلمة ضمن جلسة خاصة، وبين أن تصبح “لازمة” فنية يرددها الأطفال والمراهقون على السوشيال ميديا وفي المدارس والحفلات.
وفي الحقيقة، نحن في العالم العربي لطالما انتقدنا مستوى الانحدار الموجود في بعض الأغاني الغربية بسبب الكلمات البذيئة والمبتذلة والمحتويات الخارجة عن أي سقف أخلاقي أو فني. وكان دائماً هناك شعور بأن الفن العربي، رغم كل ما مرّ به، لا يزال يحافظ على حد أدنى من المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية، حتى في الأغاني الخفيفة أو التجارية أو الشعبية.
صحيح أن هناك فنانين تجاوزوا هذه الحدود سابقاً، لكنهم بقوا قلة، وغالباً ما تعرّضوا لانتقادات قاسية من الإعلام والجمهور وحتى من التاريخ الفني نفسه. لأن الفن ليس فقط “ترند” وأرقام مشاهدات، بل أيضاً ذاكرة وتأثير وصورة تبقى مع الزمن.
قد يقول البعض إن كلمة واحدة لا تستحق كل هذا الجدل، وربما معهم حق جزئياً، لكن المشكلة أن التنازل يبدأ دائماً بكلمة واحدة، ثم يصبح كل شيء عادياً مع الوقت. وهنا تحديداً يأتي العتب على هيفا، لأنها ليست فنانة مبتدئة تبحث عن لفت الانتباه، بل نجمة تعرف تماماً حجم تأثيرها وحجم الجمهور الذي يتابعها.
الأهل اليوم يعيشون معركة يومية مع السوشيال ميديا والمحتوى المنفلت، ويحاولون قدر الإمكان حماية أولادهم من اللغة السيئة والمحتوى المؤذي والانحدار الموجود على كثير من المنصات. ومن الطبيعي أن ينتظروا من الفنانين أن يكونوا جزءاً من الحل، لا أن يضيفوا عبئاً جديداً على هذه المعركة.
وربما لهذا السبب تحديداً كان العتب على هيفا مختلفاً. لأن الجمهور ينتظر منها أكثر. ينتظر منها أن تبقى نجمة جماهيرية، نعم، لكن أيضاً أن تحافظ على ذلك الخط الرفيع بين الجرأة والانحدار، بين الأغنية الخفيفة والأغنية التي تترك أثراً سلبياً ولو بكلمة واحدة.
هيفا وهبي ستبقى دون شك واحدة من أهم الظواهر الفنية في العالم العربي، وهذا أمر لا يمكن لأحد إنكاره، لكن حتى النجوم الكبار يقعون أحياناً في أخطاء فنية لا تشبه تاريخهم ولا حجمهم، وربما كانت كلمة “تفه” واحدة من هذه السقطات التي لا تشبه هيفا بقدر ما تشبه زمن “الترند” السريع الذي يربح أرقاماً كبيرة، لكنه يخسر أحياناً جزءاً من قيمة الفن الحقيقي…
