إذا أردنا فهم “غنَّيتُ مكة” للسيدة فيروز – والتي تُستعاد مع عيد الأضحى وموسم الحج – على نحوٍ دقيق، فالأفضل ألّا ننطلق من سؤالٍ ساذج من نوع: كيف قدّم مسيحيون أغنية عن مكة؟ بل من سؤالٍ أعمق: كيف كان الشرق العربي المسيحي، في لبنان خصوصاً، جزءاً من المجال اللغوي والرمزي الإسلامي من داخل العربية نفسها؟ لا عجب، إذ إنّ الأغنية الرحبانية جاءت امتداداً طبيعياً لمناخ ثقافي لا استثناءً منه، يدعمه نشوء جمهور حضري واسع في لبنان يستطيع استقبال لغة موسيقية حديثة ذات جاذبية عابرة للحدود المحلية.
القصة الكاملة وراء “غنيت مكة”
الوثيقة الأوضح في تأريخ ظهور الأغنية هي مقال إعلاني في “النهار” نُشر بتاريخ 31 كانون الأول/ديسمير 1965، يوثّق حدثاً مهمّاً من مسار فيروز مع الأخوين رحباني، وفيه أنّها “للمرة الأولى ستُحيي عيد الفطر السعيد من التلفزيون، القناة 11، في حفلة استعراضات وأغانٍ تستغرق 90 دقيقة”. حملت السهرة عنوان “ليالي السعد”؛ ومن ضمن الأعمال الجديدة المذكورة، جاءت “غنيتُ مكة” إلى جانب “عَ إسمك غنيت” و”القدس العتيقة”.

المقال الإعلاني لأمسية فيروز “ليالي السعد“. (أرشيف “النهار“)
ثم، قُبيل عيد الأضحى ذلك العام، مع انتهاء شهر آذار/مارس 1966، صدرت “غنيت مكة” على أسطوانة 45 دورة من إنتاج “صوت الشرق”، تبعتها أسطوانتا 45 دورة لأغنيتين من سهرة “ليالي السعد” – صدرتا في يوم واحد من شهر نيسان/أبريل – الأولى “عَ إسمك غنّيت / يوم ويومين وجمعة”، والثانية “القدس العتيقة / لا إنت حبيبي”. هذه المعلومات ليست تفصيلاً، إنّما تؤكّد الترابط بين البث التلفزيوني والتدوير الأسطواني في لحظة التكوين الأولى نفسها آنذاك.
ظهرت “غنيت مكة” لاحقاً ضمن أسطوانة كبيرة عنوانها “فيروز – أغنيات شاعت” (Fairouz – 10 Années De Succès)، وهي نسخة أصلية من تسجيل “صوت الشرق” عام 1972، وضمّت أيضاً “سنرجع” و”أعطني الناي” و”زهرة المدائن” و”لما بدى يتثنى” وغيرها.
سناء الرديني أم سعيد عقل؟
وصف إعلان للأسطوانة في “النهار” (29 آذار/مارس 1966) أغنية “غنّيت مكة” بأنّها “رائعة فيروز الجديدة؛ نفحة من نفحات الأخوين رحباني، من شعر سناء الرديني”. ولكن، أليست من شِعر سعيد عقل؟ بلى، غير أنّ النظرية الأقرب إلى التصديق هي أنّ عقل لجأ إلى اسم مستعار لأسباب مرتبطة بحساسية صورته ومواقفه السياسية والفكرية آنذاك تجاه الجمهور العربي والإسلامي، قبل أن يُعلَن لاحقاً أنّه الشاعر الحقيقي ويُلقيها في برنامج “هذا هو” عام 1996 على شاشة “إم بي سي” مع الإعلامي والكاتب السعودي محمد رضا نصر الله، وشرح في لقاء آخر أنّ فيروز طلبت منه أغنية تكريمية للمخرج والموسيقي الراحل صبري الشريف “الذي أخرج أعمالاً لها مع الأخوين رحباني وأعمالاً دينية مسيحية”، على حدّ قوله.

اسطوانة “غنيت مكة“ إنتاج 1966. (مواقع التواصل)
بعد أسابيع قليلة، تظهر الأغنية ثانيةً في حفلات الكويت عام 1966. وهذا يعني أن “غنيت مكة” لم تبقَ حبيسة سهرة مناسباتية، بل انتقلت سريعاً إلى الفضاء الحفلي العربي، وهو ما يفسر سرعة ترسّخها في الذاكرة الخليجية خاصةً، وارتباطها لاحقاً برواية الظهور السعودي التلفزيوني الأول؛ إذ إنّ فيروز كانت أول مطربة عربية تظهر على التلفزيون السعودي عام 1966 عبر هذه الأغنية بالذات.
العمل التي قُدّم لمناسبة عيد الفطر، تجاوز مناسبة بثّه الأولى إلى موسم رمزي أوسع في الوجدان العربي والإسلامي، لسعة دلالت القصيدة بين العيد والحج ومكة والدعاء، وباتت الأغنية ملازمة لعيدَي الأضحى والفطر على حدٍّ سواء.
النص واللغة واللحن في “غنيت مكة”
مفتاحا الدخول الأوضحان إلى القصيدة هما عبارتا “غنّيتُ مكةَ” و”يا قارئَ القرآن”؛ الأولى تجعل الغناء متعدّياً إلى مكة نفسها، لا غناءً “لها” من الخارج فقط، والثانية تنقل القصيدة من الاحتفاء بالمكان إلى مخاطبة المؤمن فيه. يبرز في بداية القصيدة الفرح والاحتفاء، ثم يتحوّل، في التفاتتها إلى قارئ القرآن وأهل مكة، إلى تأسيس لحميمية وقربى تتجاوز أيّ مسافة طائفية بين الشاعر وموضوعه.
لا يقف الشاعر عن الوصف الخارجي لمكة، وإنّما يدخل في نشيد احتفالي بها وبأهلها، حيث يفيض العيد حتى يصير فرحاً داخلياً في الجسد. ثم تتحول القصيدة إلى مشهد نوراني: البيوت تتلألأ، والبيت الحرام يتعالى تحت اسم الله، قبل أن تنعطف إلى نداء روحي لمَن يقرأ القرآن، وإلى إقرار ضمني بأن أهل الحرم “أهلٌ” للشاعر، لا غرباء عنه.

غلاف اسطوانة “فيروز – أغنيات شاعت“. (Discogs)
أما من جهة اللغة، فالأغنية تنتمي إلى القصيدة الحديثة بوحدة موضوعها وسموّ غرضها، مع احتفاظها بملمسٍ معجمي كلاسيكي وإيحائي؛ مفرداتها الموظفة تستند إلى حقلٍ إسلامي قرآني، والقصيدة تمثل حالةً فنية يلتقي فيها النص العالي بالأداء العالي. وهذه الملاحظة مهمة، لأن سعيد عقل هنا لا يكتب “عامية رحبانية” أو قصيدة وجدانية عادية، إنما يختار فصحى احتفالية تناسب موضوعاً يتجاوز خصوصية الأغنية اللبنانية إلى المركز الرمزي الإسلامي الجامع.
استهلّ الأخوان رحباني القصيدة بمقدمة هادئة ممزوجة بالجلال والتعظيم والتصوف، قبل دخول صوت المجموعة، يليه انبثاق صوت فيروز منفرداً. اللحن يكرر البيت الأول ليصير فاصلاً بنائياً قبل الانتقال إلى مقاطع أكثر خشوعاً وتأملاً، والصوت يصعد في المواضع التي تدلّ على العلو والامتداد، وينساب في الكلمات ذات المدى المفتوح، بما يجعل اللحن بمثابة ترجمةٍ موسيقيةٍ مباشرة لحركة المعنى.
يمكن القول هنا إنّ بنية الأغنية تقوم على ثلاث طبقات: طبقة احتفالية جماعية، وطبقة وصفية مهيبة، وطبقة دعاء متأملة. هذه الطبقات الثلاث هي ما يجعل العمل رحبانياً بامتياز: لا هو ترتيلاً دينياً خالصاً، ولا أنشودة قومية فحسب، ولا حتى قصيدة مناسباتية قصيرة العمر، وإنّما مسرحةٌ صوتية لمشهد روحي عربي.
مسيحيون وأغنية عن الإسلام
تشهد أغاني فيروز على خلفية موسيقية واسعة تمزج بين الأشكال الليتورجية المسيحية والتقاليد العربية والقصائد، ما يجعل الانتقال من ترانيم الجمعة العظيمة (1962) إلى قصيدة عن مكة امتداداً طبيعياً داخل لغة موسيقية عربية مشتركة، لا قفزة خارج عالم الرحابنة الفني. ومن هذا المنطلق، فإنّ “غنيت مكة” جزء من الرأسمال الرمزي الأوسع لفيروز، الصوت العابر للطوائف والحدود الضيقة.

اسطوانة “غنيت مكة“ بإنتاج فرنسي. (Discogs)
ومن هنا تأتي الفكرة الأهم: كيف تعاون ثلاثة مسيحيين لصنع أغنية عن الإسلام ومكة؟ الجواب هو أنهم لم يتعاملوا مع الإسلام بوصفه “شأن الآخر”، وإنّما مع مكة بوصفها جزءاً من الجغرافيا الروحية العربية. أغاني فيروز لم تتكوّن في عزلة عن “الإرث العربي الأوسع”، وكثيراً ما عبّرت عن مشاعر عربية واسعة الانتشار واستعانت بنصوص فصيحة لشعراء عظام. وبهذا المعنى، فإنّ “غنيت مكة” ليست خروجاً من “لبنانية” الرحابنة، ولكنها واحدة من صيغ تحوّل هذه اللبنانية نفسها إلى عربية ثقافياً ورمزياً.
الأغنية الفيروزية والسياق اللبناني
لا يمكن فهم “غنيت مكة” من دون العودة إلى لبنان الخمسينيات والستينيات. فيروز والأخوان رحباني صعدوا في مرحلة ما بعد الاستقلال، حين كانت الدولة اللبنانية تحاول بناء صورة ثقافية مميزة، وحين بدأت الإذاعة والتلفزيون والمهرجانات بتكوين جمهور جديد. بدأ صعود فيروز والأخوين رحباني عبر إذاعة لبنان وإذاعة الشرق الأدنى وإذاعة دمشق في الخمسينيات، وقد كانت بيروت ما بعد حربين عالميتين واستقلال قد شهدت تمدداً حضرياً وتمديناً وتغريباً جزئياً، ما أوجد حاجةً إلى لغة فنية حديثة تستلهم الريف والفولكلور لكنها تُصاغ لمدينةٍ وجمهورٍ عربي أوسع.
هذا السياق السياسي – الثقافي كان مشحوناً أيضاً بالتوترات اللبنانية والعربية: لبنان ما بعد الاستقلال دولة ذات تركيب ديني متنوع، والمرحلة الممتدة من أزمة 1958 إلى الشهابية كانت تبحث عن توازن بين محلية الدولة اللبنانية وبين المدّ القومي العربي والاصطفافات الإقليمية.
لبنان، الدولة ذات التركيب الديني المتنوع منذ الاستقلال، كان مناخه السياسي والاجتماعي محكوماً بتوازنات دقيقة بين الجماعات؛ وفي الوقت نفسه، كان المشروع الرحباني يزداد عروبةً وانتشاراً في دمشق وعمان والقاهرة وغيرها. من هنا نفهم لماذا استطاعت أغنية عن مكة أن تصدر من بيروت الرحبانية بلا تناقض جوهري: لأنّ تلك البيروت نفسها كانت تُنتج فناً يريد أن يكون حديثاً ولبنانياً وعربياً في آن واحد.
كذلك، لم تكن الصيغة اللبنانية مقطوعة عن “القضايا والإرث العربي الأوسع”، بل كانت قادرة على استيعاب القدس والذاكرة العربية والقصيدة الفصحى. لهذا، لم تكن “غنيت مكة” استثناءً في تاريخ الرحابنة، لم تُكتب من موقع المجاملة، بل كانت واحدة من اللحظات التي كشف فيها الفن اللبناني، قبل انقسامات العقود اللاحقة، قدرته على مخاطبة المجال العربي، ذلك الفضاء الثقافي والروحي المشترك.
