في بلد يستورد أكثر من 90% من غذائه، يتجاوز الأمن الغذائي في الإمارات نطاقه الزراعي ليتحول إلى مشروع سيادي طويل الأمد: كيف تضمن دولة محدودة المياه والأراضي الصالحة للزراعة أن يبقى الغذاء متوافراً، آمناً، ومستقراً في الأسعار، حتى في خلال الحروب وإغلاق الممرات البحرية وأزمات الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد؟
الجواب الإماراتي لم يعتمد على رهان واحد، بل على شبكة متكاملة: زراعة ذكية داخلية، احتياطات استراتيجية، استثمارات عالمية في الأراضي والسلع، موانئ ولوجستيات، تشريعات للطوارئ، وشراكات مع القطاع الخاص. لذلك، مقولة “إن الإمارات أمّنت غذاءها لـ 100 عام مقبلة” ليس حرفية، أي لا يعني أن دولة الإمارات تخزّن طعاماً يكفيها قرناً كاملاً، بل أنها بنت نموذجاً يقلل هشاشتها أمام المستقبل.
بدأت الحكاية من الاعتراف بالمشكلة: الإمارات دولة غنية، لكنها في موقع صعب مناخياً. فالحرارة العالية وشح المياه الجوفية وندرة الأراضي الزراعية عوامل تجعل الإنتاج المحلي التقليدي محدوداً. لهذا، أطلقت “الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2051″، وهدفها أن تكون بين الأفضل عالمياً في مؤشر الأمن الغذائي، وأن تطور منظومة غذائية قائمة على الابتكار والإنتاج المحلي وتنويع مصادر الاستيراد.

داخل
زراعة ذكية بدلاً من تحدي الصحراء
يكمن التحول الأبرز في فكرة الزراعة نفسها: بدلاً من محاولة تحدي الصحراء بوسائل تقليدية، ذهبت الإمارات إلى الزراعة الرأسية والمائية والذكية. في دبي، افتُتحت “بُستانِكَ” (Bustanica)، أكبر مزرعة عمودية مائية داخلية في العالم، باستثمار قدره 150 مليون درهم (40 مليون دولار). تمتد المنشأة على 330 ألف قدم مربعة، وتنتج أكثر من مليون كيلوغرام من الخضروات الورقية سنوياً، مع توفير يزيد على 250 مليون لتر من المياه سنوياً، وباستهلاك مياه أقل بنحو 95% مقارنة بالزراعة التقليدية. هذه الأرقام تختصر جوهر التجربة الإماراتية: إنتاج غذاء محلي، نظيف، وقريب من المستهلك، من دون استنزاف المياه.
الأمن الغذائي لا يُصنع في حقول القمح والذرة والأرز وحدها، بل في المختبرات والموانئ والصناديق السيادية والقوانين والمستودعات… والأهم، في حسن اتخاذ القرار الاستراتيجي
لكن الإمارات لا تراهن على المزارع الرأسية وحدها. مشروع “وادي تكنولوجيا الغذاء” (Food Tech Valley) في دبي يمثل محاولة لبناء مدينة متكاملة للغذاء المستقبلي: مزارع عمودية، استزراع مائي، مختبرات بحث وتطوير، مراكز لوجستية وتخزين بارد، وأسواق للشركات الناشئة والمستثمرين. وقال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء حاكم إمارة دبي، عند إطلاق المشروع إن “الغذاء والدواء قطاعان استراتيجيان” لضمان مستقبل مزدهر ومستدام للأجيال المقبلة. في المشروع نفسه، أُعلن أن أكثر من 60% من مساحته ستخصص للمزارع المتقدمة، وأنه سيعمل على إنتاج أكثر من 300 صنف من المحاصيل باستخدام التقنيات الحديثة.
قطاع اقتصادي لا ملف طوارئ
الأرقام الاقتصادية تكشف حجم الرهان الإماراتي. فاستثمارات الأغذية والمشروبات في الإمارات بلغت نحو 62 مليار درهم (نحو 16,9 مليار دولار)، وهذا يعني أن الأمن الغذائي لم يعد ملفاً دفاعياً فحسب، بل صار قطاعاً اقتصادياً واستثمارياً قائماً بذاته. وتستضيف الإمارات أكثر من 500 شركة ومنشأة متخصصة في تصنيع الغذاء، فيما جاء مشروع “وادي تكنولوجيا الغذاء” بوصفه منصةً لجذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية في هذا القطاع.
في أبوظبي، تتحرك “القابضة” (ADQ) على خط موازٍ: بناء “سلة غذاء” عالمية. وتمتلك “القابضة” أو تساهم في شركات أساسية مثل “سلال”، و”أغذية”، و”الظاهرة”، و”لويس دريفوس”، و”يونيفروتي”. وهذه ليست أسماء عابرة؛ بل حلقات في سلسلة تمتد من الزراعة والإنتاج إلى التجارة والتخزين والتوزيع. فـ “الظاهرة”، مثلاً، تعمل في أكثر من 20 دولة، وتملك أو تستأجر أكثر من 350 ألف فدان من الأراضي، وهي من أكبر موردي الأعلاف عالمياً. أما “لويس دريفوس” فهو من أكبر اللاعبين العالميين في تجارة الحبوب والبذور الزيتية، وتفوق أحجام تداوله بأكثر من 20 مرة استهلاك الإمارات من الحبوب والبقول. بهذه الطريقة، لا تنتظر الإمارات الغذاء عند موانئها، بل تدخل في ملكية جزء من السلسلة العالمية نفسها وإدارتها.

مزرعة رأسية في وادي تكنولوجيا الغذاء بدبي. (المكتب الإعلامي لحكومة دبي)
واحدة من أهم الصفقات كانت دخول “القابضة” إلى “يونيفروتي”، وهي مجموعة عالمية للفواكه الطازجة تعمل في أربع قارات، وتبيع نحو 560 ألف طن من الفاكهة سنوياً، وتدير أكثر من 14 ألف هكتار من المزارع، وتخدم أكثر من 500 عميل في 50 دولة. قُدّرت قيمة الصفقة بنحو 3,05 مليارات درهم (830 مليون دولار). وقال جيل أدوتيفي، المدير التنفيذي للأغذية والزراعة في “القابضة”، إن الاستثمار يهدف إلى “تعزيز مرونة الغذاء في الإمارات، وبناء منصة عالمية للمنتجات الطازجة”.
داخلياً، تؤدي “سلال” دوراً محورياً في ربط المزارعين المحليين بالسوق. فقد أُنشئت لدعم سلاسل الإمداد، وتنويع مصادر الغذاء، وزيادة الإنتاج المحلي من الخضار والفواكه، وإدارة برامج الشراء والمخزونات الاستراتيجية. وتشير بيانات “القابضة” إلى أن إنشاء “سلال” ساهم في رفع الإنتاج المحلي الطازج بنسبة 55%، وأنها أصبحت المورد الأول للمنتجات الطازجة المحلية في الإمارات. كما أدخلت الشركة تقنيات مثل إنترنت الأشياء لمراقبة نمو المحاصيل وتحسين الري والتسميد وإدارة المزارع.
المخزون الاستراتيجي وحماية السوق
إلى جانب الإنتاج والاستثمار، بنت الإمارات طبقة حماية قانونية. ففي عام 2020، صدر قانون اتحادي لتنظيم المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية، بهدف تنظيم الإمدادات في الأزمات والطوارئ والكوارث. القانون لا يتحدث فقط عن التخزين، بل عن إلزامية معرفة مواقع المخزون وكمياته والموردين وآليات التدخل عند الحاجة. وفي آذار/مارس 2026، أعلن وزير الاقتصاد والسياحة عبد الله بن طوق المري أن المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية يكفي السوق بين 4 و6 أشهر، مع مراقبة يومية للمخزونات والأسعار عبر منصة رقمية متصلة بـ627 منفذاً رئيسياً للبيع، إضافة إلى حملات تفتيش ميدانية.
هذه النقطة شديدة الأهمية: فالأمن الغذائي لا يعني وجود الأرز والقمح والزيوت في المستودعات فحسب، بل يؤشر إلى قدرة الدولة على منع الهلع والاحتكار وارتفاع الأسعار غير المبرر. لذلك، ركزت الإمارات على مراقبة الأسواق وتنويع الموردين وتوزيع المخزونات على مناطق مختلفة، بحيث لا يصبح أي اضطراب خارجي أزمة داخلية فورية.

أحد مقرات سلال في الإمارات. (مكتب أبوظبي الإعلامي)
تحديات قائمة ولكن ضمن التخطيط
رغم ذلك كله، لا يخلو النموذج من تحديات: الاعتماد الكبير على الاستيراد لا يزال واقعاً، والزراعة العمودية مكلفة وتستهلك طاقة، وتغير المناخ قد يضغط على المياه والغذاء عالمياً. الفارق أن الإمارات لا تتعامل مع هذه المخاطر كأحداث طارئة، بل كجزء من التخطيط الوطني.
خلاصة القول: الإمارات لم تؤمّن غذاء 100 عام بمعنى التخزين، بل بنت ما هو أهم: منظومة نجاة غذائية. تنتج جزءاً من غذائها محلياً بتقنيات عالية، وتملك حصصاً في سلاسل الغذاء العالمية، وتخزن السلع الأساسية، وتراقب السوق رقمياً، وتحوّل الغذاء إلى قطاع استثماري واستراتيجي. في عالم تتزايد فيه الحروب والمناخ المتطرف واضطرابات التجارة، هذا هو النموذج: الأمن الغذائي لا يُصنع في حقول القمح والذرة والأرز وحدها، بل في المختبرات والموانئ والصناديق السيادية والقوانين والمستودعات… والأهم، في حسن اتخاذ القرار الاستراتيجي.
