
من خمسين درجة مئوية إلى ستّ درجات تحت الصفر، يصبح الوصول إلى أجواء باردة امتيازًا يقتصر على الأثرياء في فيلم “Heat”
Taskovski Films
من خلال فيلم “هيت”، تقدّم منتجة الأفلام الوثائقية السويسرية، جاكلين تسوند، أوّل عمل لها يحمل طابعًا سياسيًا واضحًا. فمن خلال تتبّع أرواح معذّبة تكافح لمواجهة درجات الحرارة القاتلة في الخليج العربي، يقدّم عملها المعروض عالميًا لأوّل مرة في مهرجان “السينما الوثائقية”، واقعًا ديستوبيًا لا يزال العالم يُخطئ في اعتباره من المستقبل.
تم نشر هذا المحتوى على
30 مايو 2026 – 09:00
مع اقتراب فصل الصيف، يميل المرء إلى مشاهدة الأفلام التي تدمج ارتفاع درجات الحرارة في حبكته، بطريقة طبيعية.
فمن موجة الحرّ التي سمحت للممثل الأمريكي جايمس ستيورت بالتجسس على جميع جيرانه في فيلم “النافذة الخلفية” (1954) (Rear Window) لألفريد هيتشكوك، إلى فيلم “إفعل ما هو صواب” (Do The Right Thing ) مع سبايك لي (1989)، الذي يصوّر يومًا شديد الحرارة في مدينة نيويورك أشعل فتيل الأحداث في الحي المشحون بالتوترات العرقية، لتصبح الحرارة الخانقة نفسها الشخصية الرئيسية في الفيلم إذا وُظّفت باتقان.
ومع ذلك، لم تجسّد سوى أفلام قليلة وطأة ارتفاع درجات الحرارة الخانقة بهذا القدر من الإيحاء الذي يقدّمه فيلم “هيت” (Heat) للمخرجة جاكلين تسوند، الحامل لعنوانٍ مناسبٍ ومعبّرٍ. وفي مدينة نيون السويسريّة، حظي الفيلم بعرض أوّل ناجح على الصعيد العالمي، في مهرجان الأفلام الوثائقية (Visions du Réel).
وفي أعقاب عملها الأول في عالم السينما الروائية، ومشاركتها العام الماضي في مهرجان لوكارنو السينمائي بفيلم “لا تدع الشمس” (Don’t Let the Sun) (2025)، تستخدم منتجة الأفلام الوثائقية السويسرية اليوم وطأة الحرارة الخانقة كشخصية رئيسية وعنصر موضوعي يؤطر العمل. ومن خلالها، تقدّم تحليلًا نقديًا لتفاقم اللامساواة الاقتصادية في عالم يتحوّل فيه الصقيع تدريجيًا إلى رفاهية مطلقة.
محتويات خارجية
فوارق حادّة
وفي حديث عبر تطبيق “زوم” عن فيلمها الجديد، تقول: “يؤدي دور عدسة مكبّرة”، وتدور أحداثه في مناطق الخليج العربي التي قد تصبح غير قابلة للسكن. ومن خلال تصوير الاقتصادات النفطية الرأسمالية، والتركيز بشكل أساسي على الآليات الداخلية في دبي، تابعت على مدى سنوات طويلة كيفيّة كشف مؤشّر الحرارة المسجِّل أكثر من 50 درجة مئوية، “تفاوتًا اقتصاديًا حادًّا، بشكل واضح”.
وفي فيلم “هيت”، تسلّط الضوء على أربع شخصيات، مضيفة تكافح في عملها داخل مقهى جليدي، وعامل توصيل يعمل في ظروف هشّة، وخبير أرصاد جوية قلق، ووكيل في مجال العقارات يحمل قطع الجليد إلى قطط ضالّة منهكة. ويوثّق فيلمها كيفيّة إعادة الكارثة المناخية المتسارعة تشكيل العقد الاجتماعي بالكامل.
وتقول: ”كنت أبحث عن ظرف خارجي يغيّر عالمنا الداخلي بشكل ملحوظ”. ووجدت نقطة الانطلاق لفيلمها الروائي الطويل الخامس في ارتفاع درجات الحرارة. فتقول: ”إنّها حقيقة واضحة. لا بد من التعامل معها ومواجهتها، حتى وإن كنّا نرغب في تجاهل تأثيرها فينا أيضًا”.
ويكشف المناخ القاسي الذي يصوّره الفيلم واقعًا ينتظرنا حتمًا.
وتقول، مستنكِرةً ما شاهدته في دبي:” يُجبر العمّال، والعاملات، المهاجرون على مواجهة درجات حرارة قاتلة في الشوارع. في حين تلجأ النخبة الاقتصادية إلى منازل مكيّفة. ويتولّى أولئك المهاجرون، والمهاجرات، ذاتهم إيصال كلّ ما تحتاجه هذه الطبقة إلى عتبات المنازل”.
وتضيف: ”يفارق عدد كبير من العمّال، والعاملات، الحياة في الخارج تحت أشعّة الشمس الحارقة”، مشيرة إلى وفاة 10،000 مهاجررابط خارجي، ومهاجرة، سنويًا في دول الخليج. وتُعزى غالبية تلك الوفيات إلى درجات الحرّ الشديد، وظروف العمل، وتلوّث الهواء.
جاكلين تسوند تتحدث عن فيلم «لا تدع الشمس» في مهرجان لوكارنو السينمائي العام الماضي:
محتويات خارجية
المناخ يتحدث عن نفسه
ولا بدّ لهذه الفوارق الصادمة أن تحوّل فيلم “هيت” أو الحرّ الشديد، إلى فيلم سياسي بامتياز يتناول البيئة، والاقتصاد، وأنماطًا جديدة من الهشاشة الإنسانية، ما لم تسع إليه المخرجة في البداية.
وتقول تسوند، مخرِجة أفلامٍ مشبعة بالحس الإنساني مثل فيلم Goodnight Nobody الحائز على جائزة مهرجان السينما الوثائقية بنيون، وفيلم ” Where We Belong (2019) الذي شهد عرضه الأوّل في مهرجان لوكارنو السينمائي: “لطالما ركّزت على القضايا الاجتماعية. غير أنّ السنوات التي أمضيتها في الخليج العربي “دفعتني إلى تقديم فيلم سياسي باميتاز”.
ولكنّها تحرص على عدم تحويل ملاحظاتها النقدية إلى خطاب لاذع، فقد تركت مناخ الخليج يتحدّث عن نفسه. وفي لحظات محدودة، يخترق تعليق صوتي للشخصيات البشرية الرئيسية المشاهد الأربعة الغامرة، ويكشف كيفيّة مُضيّ هذه الأرواح التائهة لوحدها وسط حرارة الصحراء اللاهبة”.
وتضيف: ”لم أشأ تحوّل الفيلم إلى موضوع سجالي، لأنّه قد يحصره في إطار فيلم عن المناخ لا أكثر. ولنقل الأمور بصراحة: تراجعت وتيرة الاحتجاجات ضدّ التغيّر المناخي، ولم تعد رائجة في الآونة الأخيرة”.
وتعاونت المخرجة السويسرية مع مدير التصوير، نيكولاي فون غرافينيتز، ومصمّم الصوت، أوسكار فان هوجيفيست، على تصميم تجربة بصرية سمعية غامرة تصف الحرارة الشديدة بأسلوب فني، كما لو أنّها تنبعث من الشاشة. ولا يتضمّن فيلم “هيت” مناظر خلّابة لمدينة نفطية متوهِّجة بأضواء تضيء المناطق الرملية بشكل مذهل مساءً. ولكن غالبًا ما تفضّل تسوند تصوير الشوارع شبه المهجورة، وباردة المشاعر.
ومع ذلك، فإنّ مراكز التسوق المكيفة بشكل مريح هي التي تفرض فعليًا مناخ هذه المنطقة. ففي الظاهر، ترى كلّ هذا البريق والبذخ، ولكن إذا نظرت قليلًا خلف تلك الواجهة، فستلاحظ تباينًا شديدًا على الفور. فبالفعل، صدمني الواقع القاتم في الحقيقة خلف مظهر الترف”.

مشهد من فيلم Heat: الديستوبيا خلف مظهر الترف والبذخ
Taskovski Films
ديستوبيا الحاضر
قد يبدو فيلم “هيت” عملًا اكتسب طابعًا ديستوبيًا دونَ تخطيط مسبق، أو كما تصنّفه المخرجة، تأمّل في “العالم الديستوبي الذي نعيش فيه”. والمفارقة، مغازلة فيلمها الأخير، “لا تدع الشمس”، السينما ذات الطابع الديستوبي بشكل صريح. إذ يصوّر عالمًا شديد الحرارة، يصل حدّ عدم قدرة المرء على الخروج من منزله خلال النهار.
وتفاجأت تسوند بتصنيف الفيلم في خانة أعمال الخيال العلمي، قائلةً: “لأنّي لم أفكر فيه يومًا بهذه الطريقة”.
وتضيف:” أعتقد أنّنا نقترب من هذه الحقائق بالفعل. وأكثر ما يهمني، هو أنّي صنعت قصة ديستوبية في عالم خيالي، ثمّ وجدت عالمًا ديستوبيًا قائمًا أصلًا في الخليج العربي. ثمة خيط رفيع للغاية بينها”.
وتبيّن المخرجة السويسرية أنّ التحدي الأكبر يكمن في تصوير الحرارة في العالم الديستوبي بصدق. واتّضحت عدم إمكانيّة وضع المرء كاميرا في الخارج في يوم شديد الحرارة ببساطة، وحصوله على صور مؤثرة تعكس الأجواء الخانقة.
وتصف أجواء التصوير قائلةً: ”تقف.ين في الخارج وسط درجة حرارة تصل خلال النهار إلى 48 درجة مئوية، ونسبة الرطوبة إلى 60%، وبعد مرور 20 دقيقة تبدأ.ين، بالشعور بدوار شديد، وتُجبر.ين على العودة إلى الداخل. وحتى الكاميرات، تتوقّف عن العمل بعد نصف ساعة”. ومع ذلك، كانت إعادة مشاهدة تلك اللقطات في غرفة المونتاج مخيّبة للآمال.
وتضيف: “لم تَبُحْ اللقطات بأجواء حارّة على الإطلاق، وكأنّ التصوير جرى ظهيرة يوم معتدل في شهر مارس”.

في فيلم جاكلين تسوند الوثائقي، وفي فيلمها الروائي الطويل بعنوان Don’t Let the Sun، تتجاوز درجات الحرّ أجهزة قياس الحرارة وتصبح بمثابة قوة اجتماعية، واقتصادية، وجيولوجية ومعمارية
Taskovski Films
تصوير الحرّ
وبهدف صنع فيلم شديد التأثير، سافر فريق تسوند إلى صحراء أسوان في مصر، حيث تساهم الظروف المناخية الفريدة في إحداث تأثيرات بصرية للضوء المنكسر، رائعة ومخيفة في الوقت عينه. وتمثّلت مهمّة مصمّم الصوت، فان هوغفيست، في جعل الحرارة غير المرئية ملموسة في الموسيقى التصويرية.
وتقول تسوند: “مزجنا مئات الطبقات الصوتية فوق بعضها البعض”، مستذكرة مرحلة ما بعد إنتاج الفيلم. وكنّا بحاجة إلى أصوات تجذبك، ولكنّها كانت حادّة لدرجة تكاد تُشعرك بالألم. فالوجود في الخارج في ظلّ هذه الحرارة المرتفعة، مؤلم جدًا”.
ومن خلال اختبارها هذه الظروف بنفسها، تسعى إلى إيلاء عناية واهتمامٍ، بالغيْن بأشخاص يجدون أنفسهم مجبرين على تحمّل الحرارة اللاهبة في دبي. ولا يمكن إلا أن تشعر بالأسى إزاء عامل التوصيل، الذي يظهر دائمًا مع خوذة دراجته النارية، التي من شأنها زيادة قساوة الحرارة.
وما يلفت النظر أكثر، ظروف العمل القاسية التي تعيشها صوفي، المهاجرة من إفريقيا وتعيش في دبي. فيتعيّن على هذه الشابة اجتياز مدينة تتراوح درجة الحرارة فيها بين 40-50 درجة مئوية، يوميًّا. وذلك للوصول إلى عملها كمضيفة في مقهى جليدي، والدخول إلى مكان مغلق تتدنّى فيه الحرارة إلى ستّ درجات مئوية تحت الصفر. فيتمكّن الروّاد الأثرياء، نساءً ورجالًا، من الاستمتاع بمشروب بارد أمام منحوتات جليديّة شاهقة. وتقول تسوند: ”أردنا فقط زيارة هذا المكان الغريب. وعندما التقينا بصوفي هناك، أدركت فورًا قسوة العمل يوميًا في ظلّ هذه الظروف”.

وُلدت جاكلين تسوند عام 1971 في زيورخ، ودرست في مدرسة لندن الدولية للسينما، وخصّصت معظم مسيرتها المهنية لإنتاج الأفلام الوثائقية. وفاز فيلمها الروائي الطويل الأوّل Dont let the sun (2025) بجائزة باردو عن أفضل أداء في مهرجان لوكارنو السينمائي، العام الفائت. وهي عضو في أكاديمية الأفلام الأوروبية والسويسرية، ومحاضرة في جامعة زيورخ للفنون
Keystone / Christian Beutler
وحدة خانقة
في النهاية، تكشف هذه المجموعة من الشخصيات كيف تخلق الحرارة الخانقة فجوة بين البشر. وتعتبر تسوند أنّ الشعور بالوحدة المتجلّي في الفيلم، يشكّل موضوعًا يتكرّر في مجمل أعمالها، “حتى إن لم تكن هذه النية، هو ما حفّزني لهذا العمل”.
ولهذا السبب تحديدًا، تحافظ المخرجة على روابط إنسانية دافئة مع كلّ الشخصيات التي تصوّرها. إذ تؤمن بعدم تعلّق تصوير الأفلام الوثائقية باستخراج اللقطات فحسب، بل “بتقديم كلّ ما لديها، حتى عند الانتهاء من تصوير الفيلم”.
وفي ظلّ انخراط دبي اليوم في صراع قائم بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تتابع تسوند التطوّرات عن كثب. وتعبّر عن سعادتها لعودة صوفي إلى إفريقيا، في حين لا يزال عامل التوصيل صامدًا في شوارع دبي الحارقة.
ورغم تأكيد المنتجة عدم سعيها أبدًا إلى صناعة فيلم عن المناخ، يبرز فيلم “هيت”، في نهاية المطاف، كعمل ذي طابع إنساني بالدرجة الأولى. وتكشف أنّ الديستوبيا المناخية التي يتوقّعها المرء في المستقبل، أصبحت اليوم واقعًا قائمًا تعيشه الفئات المهمشة.
وفي هذا السياق، تريد تسوند “إعادة بناء الوعي عبر اللاوعي”، عن طريق السينما. وفي ظلّ ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، يُعتبر Heat من الأفلام النادرة التي تفيض إحساسًا ملحًّا بالخطر، دون رفعه كشعار مباشر”.
تحرير: فيرجين مانجان وادواردو سيمانتوب
ترجمة: ناتالي سعادة
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
