بدا مسلسل “أنا وهي وهيا” واحداً من أكثر الأعمال هدوءاً، بعيداً عن العنف الذي أغرق معظم المسلسلات الأخرى التي عُرضت في رمضان الماضي، من قصص تجار المخدرات، إلى الدعارة والجنس، وصولاً إلى حكايات الضباط الفاسدين. 

لم يحاول هذا العمل أن ينافس على مستوى الصدمة أو الابتذال أو التصعيد المفتعل، بل اختار أن يقدّم حكاية بسيطة وواقعية، بعيدة عن تريندات المبالغات الدرامية. وفي وقتٍ أصبحت فيه قصص الحب الكلاسيكية، أو العلاقات الزوجية المعقّدة بهدوء، مادة غير مرغوب بها درامياً، بدا المسلسل كأنه يراهن على منطقة منسية: منطقة التفاصيل الصغيرة والكسور الداخلية والصراعات التي لا تحتاج إلى رصاص كي تكون مؤلمة.

من مسلسل “انا وهي هيا” (سوشيال ميديا)

دراما ضد التيار

المسلسل، الذي كتبه إياد أبو الشامات وأخرجته نور أرناؤوط، ينطلق من قصة “طارق”، الصحافي المعروف الذي أدّى دوره باسل خياط، والذي يجد نفسه عاطلاً من العمل بعد أن تجاوزته التحولات التي شهدها الإعلام، ونسيته الجرائد والمنصات مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي. 

في المقابل، تبرز شخصية زوجته “هيا”، التي لعبت دورها تاج حيدر، وهي خريجة صحافة تركت مهنتها بعد الزواج والإنجاب، وتفرغت لحياتها الأسرية، قبل أن تقرر العودة إلى المجال الإعلامي من جديد عبر صناعة بودكاست خاص بها.

نجاح المرأة كتهديد

من هذه النقطة تحديداً يبدأ الصراع في المسلسل. الصراع هنا لا يقوم فقط على فكرة عمل المرأة أو رفضه، بل على شيء أكثر تعقيداً: ماذا يحدث حين يفشل الرجل في المجال الذي تبدأ المرأة بالنجاح فيه؟ وماذا يحدث حين يصبح المجال الذي همّش الرجل هو نفسه الباب الذي تدخل منه زوجته إلى الضوء؟ هنا لا يعود الخلاف بين هيا وطارق خلافاً زوجياً عادياً، بل يتحول إلى صدام بين صورتين للذات، وبين شكلين من السلطة: سلطة الرجل التي تتآكل بصمت، وسلطة المرأة التي تبدأ بالتشكل لأول مرة.

قرار هيا بالعودة إلى الصحافة عبر البودكاست، لا يُواجَه برفض مباشر وصريح من طارق. بل إن تعقيد الشخصية هنا يكمن في أن طارق يبدو مقتنعاً نظرياً بحق المرأة في العمل. هو ليس رجلاً شرقياً تقليدياً بالمعنى الفج أو المباشر، ولا يتحدث بلغة ذكورية مكشوفة منذ البداية، لكنه في العمق لا يستطيع تقبّل نجاح زوجته، ولا قدرتها على بناء مساحة عامة تخصّها، ولا فكرة أن تكون مرئية وفاعلة ومسموعة خارج موقعها التقليدي داخل البيت. وهذا تحديداً ما يجعل الشخصية مقنعة: إنها لا تمثل الذكورية بوصفها خطاباً بطريركياً فقط، بل بوصفها بنية حديثة أيضاً، قادرة على استخدام لغة التقدم والتحرر، لكنها تتعثر عند أول اختبار فعلي.

 

حقوق المرأة وممارسات تقويضها

بذلك يلتقط المسلسل بذكاء واحدة من أكثر التناقضات شيوعاً في العلاقات المعاصرة: كثير من الرجال يؤمنون بحق المرأة في العمل ما دام هذا الحقّ فكرة عامة أو شعاراً أخلاقياً، لكن هذا الإيمان يهتز حين يصبح العمل تهديداً مباشراً لمكانتهم النفسية أو الاجتماعية أو العاطفية. طارق يغار من شهرة البودكاست ومن حضور هيا في الفضاء العام، لكن غيرته لا تُقدَّم بوصفها مجرد هشاشة شخصية، بل بوصفها نتيجة خلل عميق في توازن العلاقة، وفي مفهوم الرجولة نفسه حين يُبنى على التفوق والاحتكار الرمزي.

ويبدأ المسلسل فعلاً بتوجه نسوي واضح، من خلال إصرار هيا على العمل وإثبات ذاتها، في مقابل محاولات طارق لعرقلة مشروعها، أحياناً بشكل مباشر وأحياناً بشكل مبطن. كما أن السلطة الأبوية لا تظهر فقط من خلال الزوج، بل أيضاً من خلال والده “فيصل”، الذي يؤدي دوره تيسير أدريس، الذي يتحول إلى صوت الشارع وصوت المجتمع، هو يمثل السلطة الذكورية الأبوية التقليدية التي لا ترى في عمل المرأة وظهورها في المجال العام إلا خروجاً عن الدور المرسوم لها. 

 

منظومة ذكورية كاملة

وجود الأب هنا ليس تفصيلاً، بل أداة ذكية لفهم أن طارق ليس حالة فردية، بل ابن منظومة كاملة، يسمع الانتقادات نفسها التي تسمعها النساء عادة من المجتمع، وتختزل على لسان أبيه، الذي يوبخه باستمرار على عمل زوجته وظهور بناته على السوشيال ميديا؛ أسئلة ترسم صورة واحدة للمرأة وتسعى لتربيتها عليها: مكان المرأة هو البيت، ولا ينبغي أن تحضر بالفضاء العام.

هذا الضغط يجعل صراع طارق يعيش صراعات داخلية، فهو ليس فقط رجلاً يغار، بل رجلاً ممزقاً بين وعي يريد أن يبدو حداثياً، وما بين جذوره التي لا تزال مشدودة إلى الفكر الذكوري الأبوي السائد. وفي المقابل، تُترك هيا في معركة أخرى لا تقل تعقيداً: ما بين الاستمرار بعملها وتحقيق ذاتها، أو الحفاظ على استقرارها العاطفي والأسري، والقبول بأن تبقى ربة منزل. وهذه من النقاط التي جعلت بداية المسلسل قوية فعلاً، لأن الصراع لم يُطرح كشعار نسوي سطحي، بل كأزمة مُعاشة داخل تكوين العائلة والبيت وداخل الحب والزواج.

النسوية التي تعثّرت..

لكن ما يُضعف العمل لاحقاً هو الدور الذي تلعبه شخصية “سارة” (رهام قصار) في مجرى الأحداث. سارة تظهر في المشهد الأول من المسلسل، الذي يجمع أبطال المسلسل الثلاثة معاً، ويكون دورها في البداية كصديقة ومحامية تُساهم بإيصال العلاقة بين هيا وطارق إلى الطلاق. لكن لاحقاً تتعدد أدوارها مع رسم ثلاث مثلثات حب كلاسيكية متداخلة، ما بين طارق وهيا وسارة من ناحية، وما بين طارق وهيا وناصر (لجين إسماعيل) من ناحية أخرى، وبدرجة أقل بين هيا وسارة وناصر.

ناصر يبدو كمعادل موضوعي لشخصية طارق، هو الشخصية التي تظهر بحكاياتها المعقدة ذات العمق نفسي لتبدو أقرب إلى المثالية، وكأنها تعويض عن صورة الرجل بعد انكسار طارق. بينما سارة فهي شخصية لا تملك ما يكفي مبررات مقنعة، ولكنها حُملت كل الشر الممكن في المسلسل، لتكون حلقة الضعف في المسلسل على مستوى النص.

في البداية، كانت سارة تمثل المرأة الناجحة والمستقلة، تُقدم نصائح نسوية لصديقتها هيا كي تستقل وتتخذ قراراتها؛ أي أنها كانت، في بدايتها، امتداداً للطرح النسوي نفسه الذي بدأ به العمل. لكن مع تطور الأحداث، يتم شيطنتها بشكل حاد وسطحي وغير مبرر، لتتحول إلى سبب كل الشرور. فجأة، تدفعها الغيرة الممزوجة بعاطفة الأمومة غير المكتملة إلى الزواج من طارق، ليبلغ المسلسل ذروته دون إقناع، رغم كل المقدمات الجيدة التي سبقتها.

وبسبب شيطنة سارة وتحميلها مسؤولية خراب العلاقة بين طارق وهيا، يفقد المسلسل جزءاً كبيراً من قيمته الفكرية، لأن وضع شخصية شيطانية كشماعة وتعليق كل الأخطاء عليها، أبعدنا عن الصراعات الداخلية، وكأن كاتب الحكاية لم يعرف كيف يواجه تعقيد العلاقة الأصلية، فاستعان بالشخصية النسائية الشريرة كحل جاهز. وهذا أدى إلى مسار معاكس لافتتاحية المسلسل، وللطرح النسوي الذي تبناه في البداية.

 

نهاية مربكة: هل انتصر الحب فعلاً؟

في نهاية المسلسل، وبعد أن تُكشف كل الأوراق، لا نعود أمام حكاية حب دمرتها ازدواجية المعايير أو الذكورية المغلفة بطبقة حضارية، ولا حتى أمام طرف ثالث دمر العلاقة بالغيرة والمكائد. بل نرى علاقة تعود إلى الحياة بعد أن تجاوزت الشر الدرامي الخالص؛ تعود العلاقة بعد تنازلات، لترسم ملامح غير مكتملة لنهاية سعيدة، مع هيا التي تقرر ترك البودكاست للتفرغ لتربية بناتها، ومع ارتقاء عقلية طارق واختزال قبوله للفكرة بشرائه استوديو البودكاست وإهدائه لها. لكن أثر النهاية يبقى مربكاً: هل يريد العمل القول إن الحب انتصر؟ أم إن المرأة يمكنها أن تعمل لكن ضمن حدود لا تهدد العائلة؟ أم إنه فقط يريد مصالحة عاطفية من دون حسم أفكاره؟

مشكلة “أنا وهي وهيا” أنه بدأ بأفكار وأسلوب أعلى بكثير مما انتهى. بدأ بمراقبة دقيقة لعلاقة زوجية تتقاطع فيها تحولات الإعلام مع تحولات القضايا الجندرية، ونجح في تقديم معالجة درامية غير نمطية لأفكار ذكورية حداثوية وفضح الهشاشة التي بني عليها التحضر، لكن المسلسل لم يتمكن من الاستمرار في هذا المسار حتى النهاية. كلما اقترب من تفكيك أعمق للعلاقة، تراجع إلى حلول أكثر أماناً، وأكثر تقليدية، وأكثر انسجاماً مع الخيال الدرامي السائد. وربما لهذا السبب تحديداً يبقى المسلسل مهماً ومحبِطاً في آنٍ واحد.