طاهر علوان
لا شك أن قصص التاريخ كانت ولا تزال مصدرا مهما لا غنى عنه للسينما، وهو في عرف كتّاب السيناريو يعد مصدرا مثاليا لنقل تلك القصص إلى زمننا الحاضر، ولطالما شاهدنا أفلاما متميزة من أجواء الحضارات البائدة كالإغريقية والرومانية وصولا إلى الفرعونية والبابلية وفجر الحضارة الإسلامية.
ويزخر التاريخ العربي والإسلامي بقصص متنوعة ظلت تتداولها المصادر ويستمتع باستذكارها جمهور عريض، على الرغم من وجود تحدي الموضوعية والمصداقية وعدم التكرار، وهي في الواقع حجج ثابتة ما انفكت تلاحق قصص التاريخ وتضعها تحت معيار القياس.
وفي هذا الفيلم ذي الإنتاج الضخم للمخرج روبرت وايت، يحضر التاريخ العربي ما قبل الإسلام من خلال مملكة أو إمارة المناذرة، ومن خلال ملكها الأشهر النعمان بن المنذر الذي تحفل كتب التاريخ بسيرته ومنجزه وشخصيته، فهو سليل تلك المملكة الغافية على ضفاف الفرات بالعراق وقرب مدينة النجف الحالية، وهي أرض معروفة عبر التاريخ وحتى الساعة بأنها أرض خصبة تشتهر بالزراعة وكثافة أشجار النخيل. وإذا بالنعمان طريدا وسط الصحراء القاحلة، فبهذا المشهد الافتتاحي سوف نتعرف على تلك الشخصية -يؤدي الدور الممثل السوري غسّان مسعود- التي كرس لها هذا الفيلم، إنه يكافح العطش ويخفي الذهب في الكهوف، ولا ينقذه إلا قاطع طريق -يؤدي الدور الممثل الأمريكي أنطوني ماكي.
وقبل ذلك يهيئنا مخرج الفيلم إلى ما سوف نشاهده من أحداث وقعت قبل 1500 عام في شبه الجزيرة العربية كما يقول، بينما قصة النعمان برمتها تمت في العراق منذ مولده حتى موته، ولم تقع في صحراء العرب ولا الربع الخالي قط.
ويضيف تعليقا مثيرا للجدل في مدخل الفيلم قائلا: “يسلم جميع الملوك القبليين بناتهم كمحظيات، أما من يمتنع عن التسليم فيلاحق ويُرمى في صحراء قاسية”.
هذه الفرضية هي التي بني عليها السيناريو برمته بواسطة فريق من ثلاثة كتّاب سيناريو، كلهم أجانب، ليس من بينهم عربي واحد، وأن كسرى يخوض حربا لا هوادة فيها ضد النعمان ليس إلا من أجل الظفر بابنته والزواج بها.
هذه الأرضية هي التي سوف تؤدي بالنعمان إلى اللجوء إلى قبيلة أخرى، ثم قراره تسليم نفسه لكسرى -يؤدي الدور الممثل الكبير بن كينغسلي- تاركا ابنته في مهب الريح، بينما في المتواتر عبر التاريخ أنه ذهب لكسرى من أجل التفاهم معه بسبب ما ورده من غضبه عليه بسبب وشايات، وكان لا يزال على كرسي الحكم وليس مشردا في صحارى شاسعة، أما ابنته فقد ترهبنت بعد غدر كسرى بوالدها، ولم يكن الإسلام قد ظهر بعد.
ويبقي فريق كتابة السيناريو والمخرج مسار السرد الفيلمي في حدود ذلك الإصرار الهستيري من طرف كسرى للظفر بابنة النعمان، من خلال قائد كسرى -يؤدي الدور الممثل شارلتو كوبلي- بينما يبرز في المقابل خصمه زعيم قبيلة بني شيبان -الممثل المغربي سامي بوعجيلة- وهو ما سوف يؤدي إلى معارك طاحنة تتوج بتحشيد الجيوش لخوض معركة ذي قار الشهيرة بالعراق التي انتصر فيها العرب على جيش كسرى.
وعلى وفق تلك الفرضيات التي نسجها فريق السيناريو، فإن المشاهد الفيلمية كرست لعمليات الكر والفر والحشود وتدحرج الخيول من أعلى كثبان الرمال، ثم الحشود من الفرسان التي تقطع تلك الصحاري في تصوير بارع وحركات كاميرا شديدة الإتقان بفضل جهد مدير التصوير غوليرمو غارزا، حتى يمكن القول إن الفيلم ينطوي على تحف رائعة من جهة جماليات تصوير الصحراء والانتقالات المتميزة التي استكملها فريق المونتاج.
ومن جهة أخرى، وجدنا أن السرد الفيلمي بقي في ذلك النطاق المترهل السائب، ولم تكن هنالك إمكانية لإدخال حبكات جديدة تخرج الفيلم من الدائرة الرتيبة التي ظل يدور فيها، وكأن القصة برمتها تتعلق بمحارب الصحراء الذي ليس هو الملك النعمان بن المنذر ذو الصيت والتاريخ، بل إنه قاطع الطريق الذي بقي بلا اسم، وهو الممثل الأمريكي أنطوني ماكي. أما الوجه الثاني من القصة فهو فكرة ردع كسرى ذي الأطماع في نساء العرب، بينما تشير وقائع التاريخ إلى أن مملكتي الغساسنة والمناذرة كانتا تتصارعان بسبب نفوذ الإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية.
ومن جانب آخر، إذا انتقلنا إلى جغرافية المكان الذي جرت فيه الأحداث وتصوير المشاهد، فالملاحظ أولا أن دخول “إم بي سي” في الإنتاج الضخم كان كفيلا بوضع الأمور في نصابها، لكننا شاهدنا قراءة استشراقية نمطية للأحداث، فالصحراء القاحلة والجبال المنخفضة معلوم أنها موجودة في بيئات أخرى، والمؤكد أن التصوير والأجواء وملابس الطوارق كانت في شمال إفريقيا، وبالذات في صحراء المغرب، وهو خطأ فادح وقع فيه الفيلم؛ إذ بقيت تلك الأجواء هي السائدة، بينما من المعلوم أن الحيرة عاصمة المناذرة، التي اشتق اسمها من السريانية ومعناه ملتقى الطرق، كانت قرب الكوفة الحالية وقريبة من نهر الفرات، ويمر فيها نهر متفرع من نهر الفرات يسمى نهر (قافر) الذي يروي الحيرة، ومنه كانوا يركبون في القوارب، وقد اشتهرت الحيرة بفنونها وصناعاتها، ومعلوم تاريخيا شهرتها ببناء القصور، ومنها قصر الخورنق الذي بناه النعمان، وهي مدينة شعر وفن وعلم مزدهرة، ويكفي أن اسم النعمان يقترن حتى اليوم بنوع من الزهور تسمى شقائق النعمان لا تزال معروفة حتى الساعة، بينما ابتدأ الفيلم وانتهى على أراضٍ قفراء، وفي أحسن الأحوال واحات صغيرة.
حشد الفيلم مئات الممثلين والكومبارس بفضل الإنتاج الضخم الذي استدعى ميزانية ضخمة ناهزت 150 مليون دولار، لم يسترجع منها في شباك التذاكر غير أقل من مليون دولار حتى الآن، بسبب المآخذ الكثيرة على الفيلم، ليس ما ذكرناه فقط، بل يتعلق أيضا بأسلوب الإخراج والرؤية المهلهلة والنهايات السائبة والتكرار والنمطية وعدم الخروج على نمطية الاستشراق. ولهذا لم يجد المشاهد الغربي في هذا الفيلم ما هو جديد أو يجلب له الدهشة أو يعلمه درسا من التاريخ.
وقد فاقم ذلك ما افتتح به المخرج فيلمه من أن قبائل العرب كانت تتصارع على الماء والنفوذ، ثم زاد الطين بلة بالقول إن زعماء القبائل كانوا يعطون بناتهم كمحظيات، أما من يمتنع عن التسليم فيلاحق ويُرمى في الصحراء، وهي فرضية غريبة ولا تخريج منطقي لها لكي يفتتح بها الفيلم.
والحاصل أن الفيلم برمته ينطوي على إشكاليات عديدة، ويبدو أنه لم يكن مدروسا بما فيه الكفاية، وجعل وجهة النظر الغربية هي التي توجه الفيلم من الأخطاء الفادحة؛ إذ لم تتم الإشارة إلى خبير عربي واحد في التاريخ مثلا، ولا مساعد أو استشاري عربي واحد في كتابة السيناريو، وهو إصرار عجيب تسبب في مزيد من الثغرات القاتلة.
…………………
إخراج: روبرت وايت
سيناريو: إيريكا بيني، غاري روس، ديفيد سيلف
تمثيل: أنطوني ماكي، عائشة هارت، سامي بوعجيلة، بن كينغسلي، شارلتو كوبلي، لميس عمار
مدير التصوير: غوليرمو غارزا
مونتاج: كيلي ديكسون، ريتشارد ميتلر
مصمم الإنتاج: باكي سميث
الميزانية: 150 مليون دولار – بوكس أوفيس: 750 ألف دولار
