أثنيت على نفسي كثيراً بعد مشاهدة فيلم “الستّ” في تطبيق “شاهد” أوّل أيّام العيد، لأنّني لم أنجرف وأتكبّد عناء الذهاب إلى دار للسينما، فاقتصرتْ خسارتي، والحال هذه، على الحرمان من علبة الفوشار المطهوة بالزبدة التي تُعدّ من أكثر طقوس ارتياد السينما أهميةً. الفيلم من إخراج مروان حامد، وتأليف وسيناريو وحوار أحمد مراد، وبطولة منى زكي، بمشاركة نخبة من نجوم مصر، مثل سيّد رجب الذي أدّى دور والد أمّ كلثوم (الشيخ إبراهيم البلتاجي)، ومحمّد فرّاج في دور أحمد رامي. وقد نجوتُ، مع مَن نجا، من سطوة (وتأثير) الزوبعة الإعلامية العاصفة التي لم تهدأ حتى تاريخه، ورافقت مواعيد عرضه، إضافةً إلى كمّ المقالات النقدية المتخصّصة والانطباعية التي تناولته من حيث النصّ والإخراج والتمثيل، وانقسام الجمهور بين معجب متحمّس، وغير معجب، ورافض له بالمطلق، فشُنّت حملات تطالب بمقاطعة الفيلم، الذي اعتبروه مسيئاً لسيرة كوكب الشرق، وكذلك احتجاجاً على كلام أحمد مراد في مقابلة تلفزيونية أنّه من الأسهل والأسلم بالنسبة إليه التعرّض لسيرة نبي، ما عرَّضه إلى موجة انتقاد حادّة، واعتُبر كلامه مسيئاً وتدخلاً في نطاق ازدراء الأديان.
ذهب مدافعون عن الفيلم إلى أنّ النصّ نزع الصورة الملائكية الزائفة من شخصية أمّ كلثوم، وقدّمها حقيقيةً من لحم ودم، امرأة مدخّنة نزقة ذات طباع حادّة، تعاني الإحباط نتيجة زيادة الوزن وجملة الأمراض التي ألمَّت بها. ورأوا أنّ الفيلم لم يُجمّل سيرتها استرضاءً لجمهورها، بل قدّمها بتجرّد وموضوعية، بلحظات قوّتها وضعفها، قاسيةً أحياناً، ومليئة بالحنان والرقّة أحياناً أخرى. لديها مزاجية الفنّان وأنانيته، وتنافسية، وعصبيّة بعض الشيء، وتميل إلى البخل، وتتعامل مع الآخرين بجلافة وفوقية، وتخشى المرض والموت، وتعاني الكآبة والعصبية وانعدام الثقة بالذات والوحدة.
فيما وجد رافضو الفيلم، وهم الأكثرية، أنّه ينطوي على إساءة غير مبرَّرة إلى رمز فنّي وثقافي كبير، في تركيزه على جوانب ليست مفصلية أو أساسية في سيرة أمّ كلثوم، مثل لحظة سقوطها الخاطفة على مسرح أولمبيا في باريس، التي بالغ المخرج في الاتكاء عليها مفتتحاً للفيلم، والعودة بأسلوب “فلاش باك” إلى لقطات غير مترابطة لم تعبّر بدقّة عن مراحل من حياة أمّ كلثوم الحافلة والمكتظّة بالأحداث والمواقف التي ما زالت موثّقةً في الأرشيف، كما أنّ هناك مواد تناولت تفاصيل حياتها من خلال أخبارها، والكتب التي تناولت سيرتها، والمقابلات التلفزيونية التي لم يمضِ عليها كثير، ولقاءات حيّة بصوتها وصورتها. وهي مقابلات حقيقية للست، عرّفتنا إلى شخصية راقية ذات ثقافة عالية ولباقة ورقّة وأناقة وتهذيب، لم يتمكّن الفيلم، رغم إمكانياته الإنتاجية الضخمة، من تجسيدها فنّياً.
من هنا بالضبط جاء الغضب والإحساس بالتعدّي والإجحاف والتضليل، كي لا نقول التزوير، لقصّة حياة فنّانة عظيمة تركت لنا أثراً فنّياً ما زال حيّاً وفاعلاً ومؤثّراً في الوجدان الجمعي لأجيالٍ تربّت على فنّ هذه المرأة المألوفة لدينا، والتي نعرفها جيّداً، رفيقةً لصبانا، ونحفظ أغانيها عن ظهر قلب، ونردّدها بالشجن نفسه. ذلك أنّ الفيلم لم يتناول شخصيةً تاريخيةً مجهولةً وغامضةً مثل المغنّية ألمظ مثلاً أو ساكنة بك، اللتَين لا نعرف عنهما سوى أنّهما مغنّيتان من عهد الخديوي إسماعيل.
أمّا مصدر الخيبة الكُبرى فهو أداء الممثّلة منى زكي المتخشّب، غير المُتقَن، المثير للخيبة. وقد كان اختيارها لهذا الدور قراراً غير حكيم، ولعلّه السقطة الكُبرى في مسيرتها، وهي الممثّلة ذات القدرات الدرامية العالية، غير أنّها أخفقت كلّياً في هذا الدور، أولاً، من حيث المظهر غير المشابه للشخصية المحكي عنها، كما هو مفترض في أفلام السيرة، إذ لم تنجح في مقاربة مظهر أمّ كلثوم، إضافة إلى التمثيل المحنّط الخالي من التعبير، والبعيد من الإقناع، والمُفتقِد للحدّ الأدنى من الصدق الفنّي.
أيّاً كان الأمر، يظلّ فيلم “الستّ”، مثل أيّ عمل فنّي، محاولةً واقتراحاً ورؤية واجتهاداً يضاف إلى مكتبة السينما العربية. وهو، مثل أيّ عمل فنّي متاح، يخضع لذائقة المتلقّي، ويملك المتلقّي كامل الحقّ في قبوله أو رفضه، من دون مبالغة غير ضرورية في ردّات الفعل.