ما تشهده المنطقة في الحرب الإيرانيَّة الأمريكيَّة يحمل طابعاً مغايراً في أبعاده ودلالاته، إذ تتصاعد تصريحات البيت الأبيض حول اتّفاق وشيك في صورة مذكّرة تفاهم تُنهي حالةَ الحربِ وتفتح البابَ أمامَ مفاوضات نوويَّة أكثر تفصيلاً وإلزاماً، في مقابل نفي إيراني هادئ الأسلوب، حازم المضمون، ممّا يطرح أسئلة جوهريَّة حول طبيعة هذا التَّباين ودلالاته الاستراتيجيَّة.

خطاب ضاغط

منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، انتهج فريقه خطاباً ضاغطاً تجاه إيران يجمع بين التَّهديد المعلَن والانفتاح المُلمَّح، لكنَّ المتتبِّع لمسار المفاوضات يرصد نمطاً واضحاً، وكلَّما تصلّبت طهران، تراجعت واشنطن خطوة وعرضت صياغة أكثر مرونة، فقد بدأ الأمريكيّون بالتَّمسُّك بتفكيك كامل للبرنامج النّووي الإيراني شرطاً مسبقاً لأيّ حوار، ثمَّ انتقلوا إلى الحديث عن تخفيض جوهري للقدرات التَّخصيبيَّة، قبل أنْ تتسرّب تقارير عن قبولهم بصيغ انتقاليَّة تحفظ لإيران حقَّها في تخصيب محدود تحت رقابة دوليَّة.

 هذه السّلسلة من التَّحوّلات ليست مجرّد مراوغة دبلوماسيَّة، بل تعكس ضغطاً حقيقيَّاً تواجهه الإدارة الأمريكيَّة على أكثر من جبهة، من بينها الجبهة  الاقتصاديَّة بفعل تداعيات ارتفاع أسعار النَّفط، والجبهة الإقليميَّة بسبب التَّوتُّرات المتصاعدة في الشَّرق الأوسط، فضلاً عن الجبهة الدّاخليَّة، لأنّ ترامب يحتاج إلى إنجاز دبلوماسي يُقدّمه لقاعدته الانتخابيَّة.

رفاهية الوقت

وعلى الجانب الآخر، يتعامل المفاوض الإيراني من موقع امتلاك رفاهية الوقت متحسّباً لثمن التَّسُّرع، فطهران الّتي عانت طويلاً من العزلة الاقتصاديَّة، وجدت في السَّنوات الأخيرة هامشاً أوسع للتَّكيُّف مع العقوبات عبر توسيع شبكة علاقاتها مع موسكو وبكين وعواصم أخرى، فضلاً عن أنَّ تحقيقها مستويات تخصيب يورانيوم غير مسبوقة باتت ورقة ضغط حقيقيَّة لا مجرّد ادّعاء، وحين ينفي المسؤولون الإيرانيّون الحديث عن مذكّرة التَّفاهم الّتي يتحدَّث عنها البيت الأبيض، فإنَّهم لا يُنكرون وجود تواصُل، بل يرفضون الخضوع لمنطق الإملاء الأمريكي الّذي يُصوَّر الأمر وكأنَّ واشنطن هي من تقود المفاوضات وتضع شروطها، هذا التَّباين في الرّوايتين ليس اعتباطيّاً. 

إنَّّ المنطق الإيراني يقوم على مبدأ راسخ في تقاليده التَّفاوضيَّة حيث لا تُعلن الموافقة قبل استيفاء الشَّروط، ولا تمنح الخصم أيّ انتصار نفسي مُسبَق، وفي السّياق ذاته، قد يكون هذا النَّفي الإيراني أداة ضغط لانتزاع مزيد من التَّنازلات، خاصّةً أنَّ الإدارة الأمريكيَّة تُبدي حرصاً واضحاً على الإعلان عن أيّ تقدُّم، وهو ما يُفسح المجال لطهران كي تُحكّم قبضتها على إيقاع المفاوضات.

السّيناريوهات المحتملة

الأكاديمي الأردني نبيل العتّوم المختصّ بالشّأن الإيراني قال في تصريح لوكالة فرات للأنباء «ANF»: إنَّ المشهد قد يضمن ثلاثة سيناريوهات محتملة، الأوّل هو اتّفاق مرحلي محدود، يتضمّن تجميد أجزاء من البرنامج النّووي مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، وهو السّيناريو الأكثر ترجيحاً من النّاحية التّكتيكيّة كونه يمنح كلا الطَّرفين ما يكفي لادّعاء الانتصار في الدَّاخل دون التزامات مُكلفة، ويتضمّن  الثَّاني ما يمكن وصفه بالجمود المُطوَّل، حيث تتواصل جولات التَّفاوض دون التَّوصُّل إلى اتّفاق جوهري، فيما تستمرُّ واشنطن في فرض ضغوطها وطهران في تعزيز قدراتها، مما يُبقي الأزمة في حالة احتقان مُدار لا ينفجر ولا ينحل، أمّا السّيناريو الثّالث، وهو الأكثر خطورة، فيتمثّل في انهيار المفاوضات بشكلٍ مفاجئ إذا ما قرّرت إيران الاستجابة لضغوط داخليَّة ترفض أيّ تفاوض مع واشنطن، أو إذا أقدمت الإدارة الأمريكيَّة على خطوة ميدانيَّة تُسقط المسار الدّبلوماسي برمّته.

الدَّكتور محمد الشَّرقاوي الأكاديمي المختصّ بتسوية النّزاعات الدَّوليّة أكّد في تصريح لوكالة فرات للأنباء «ANF»، أنَّ ما يجري في المفاوضات الأمريكيَّة الإيرانيَّة ليس مجرّد تبادل مواقف دبلوماسيَّة، بل معركة للسّيطرة على الرّواية وإدارة التَّوقُّعات، حيث يحتاج ترامب إلى اتّفاق يُقدّمه بوصفه إنجازاً تاريخيَّاً، وإيران تعلم ذلك وتُدار المفاوضات بوعي تام بهذه الحاجة، وطالما بقيَ هذا الاختلال في الإلحاح بين الطَّرفين، فإنَّ المفاوض الإيراني سيظلّ يحتفظ بأوراق أقوى ممّا يبدو على السَّطح، وستظلُّ تصريحات البيت الأبيض عن الاتّفاق الوشيك تلك الأمنيَّة الأمريكيَّة الّتي تسبق الواقع بخطوات، ويُسارع إليها الإيرانيون بالتَّكذيب الهادئ الواثق.