وتأتي هذه التصريحات في وقت يشهد فيه الملف الإيراني استمرارا للتوتر، بالتوازي مع بقاء قنوات التفاوض مفتوحة وتبادل الرسائل بين الطرفين، وفق ما ورد في سياق الحوار حول تطورات المشهد الإقليمي والمفاوضات الأميركية الإيرانية.
مسار تفاوضي معقد وتأجيل محتمل للاتفاق
في قراءة أولى للمشهد، قدم محلل الشؤون الأميركية والشرق الأوسط في سكاي نيوز عربية بول سالم خلال حديثه إلى غرفة الأخبار توصيفاً يقوم على أن المرحلة الراهنة تتسم بتعقيد بالغ وتشابك في المسارات السياسية والعسكرية.
وأشار إلى أن المحادثات بين واشنطن وطهران مستمرة، وأن تبادل الرسائل بين الطرفين لم يتوقف، إلا أن هذا المسار لا يسير بوتيرة سريعة، بل يترافق مع تصعيد ميداني قد يؤخر أي تسوية محتملة.
ووفق هذا التحليل، فإن الجانب الإيراني لا يبدو مستعجلا للتوصل إلى اتفاق، ولا يشعر بأنه تحت ضغط كاف لتقديم تنازلات سريعة.
ويضيف سالم أن الخطاب الأميركي، وعلى رأسه تصريحات ترامب، يحمل عادة نبرة إيجابية، إلا أن النتائج العملية لا تزال بعيدة المنال، في ظل استمرار التصعيد في أكثر من ساحة، من بينها الخليج العربي، حيث أشار إلى تطورات أمنية شملت الكويت والبحرين، إلى جانب عمليات عسكرية أميركية استهدفت ناقلات في المنطقة.
تعدد الجبهات.. لبنان والعراق ضمن معادلة النفوذ
وفي إطار تحليل امتداد النفوذ الإقليمي، لفت سالم إلى أن المشهد لا يقتصر على الملف النووي، بل يتداخل مع ساحات أخرى مثل لبنان والعراق، حيث توجد فصائل مسلحة مرتبطة بإيران، مع اختلاف في طبيعة البنية التنظيمية بين البلدين.
ويشير إلى أن العراق يشهد تحولات داخل بعض فصائل الحشد الشعبي باتجاه التعاون مع خيار الدولة، في حين يظل المشهد في لبنان أكثر تعقيدا مع استمرار رفض حزب الله لأي تسوية سياسية نهائية.
هذا التشابك، بحسب سالم، يعكس أن التفاوض لا يدور في ملف واحد، بل في منظومة إقليمية متعددة المستويات، ما يجعل الوصول إلى اتفاق سريع أمرا غير واقعي في المدى القريب.
الملف النووي.. بين النفي الإيراني ومؤشرات التخصيب
وفي جانب أكثر حساسية، يلفت سالم إلى التباين بين الخطاب الإيراني الذي يؤكد عدم وجود نية لتطوير سلاح نووي، وبين الوقائع التقنية المرتبطة ببرامج التخصيب والمفاعلات، والتي توحي – بحسب تعبيره – بأن المسار الفعلي قد يتجه نحو امتلاك قدرة نووية.
كما يطرح فرضية أن النظام الإيراني قد يكون قادرا على تحمل الضغوط والعقوبات لفترات طويلة، على غرار نماذج دولية أخرى، مع محاولة تحقيق مكاسب استراتيجية تقلص من النفوذ الأميركي في الإقليم.
الكونغرس الأميركي.. عامل ضغط داخلي على البيت الأبيض
وفي سياق داخلي أميركي، يشير سالم إلى تطورات داخل الكونغرس قد تؤثر على صلاحيات الرئيس في إدارة الملفات العسكرية، مع تصاعد نقاشات يقودها الديمقراطيون وبعض الجمهوريين حول تقييد صلاحيات الحرب، إضافة إلى مؤشرات على تراجع الدعم داخل القاعدة الجمهورية، ما يضع إدارة ترامب أمام حسابات سياسية داخلية متزايدة التعقيد.
اتفاق مؤجل وصراع طويل الأمد
ويخلص سالم إلى أن أي تقدم في المفاوضات، رغم وجود إشارات محدودة، لا يبدو وشيكاً، وأن المسار قد يحتاج إلى وقت أطول في ظل استمرار التصعيد.
كما يرى أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، وكذلك بين إسرائيل وإيران، ستظل محكومة بمنطق الصراع طويل الأمد، حتى في حال الوصول إلى هدن مؤقتة، مع احتمالات عودة جولات جديدة من التوتر بأشكال عسكرية أو سيبرانية أو اقتصادية.
بنية القرار الإيراني وتكتيك التفاوض
من جهته، قدم الباحث في العلاقات الدولية عمر كوش قراءة تركز على البنية الداخلية لصنع القرار في إيران، مشيرا إلى ضرورة التمييز بين من يصنع القرار ومن يتخذه.
ويوضح أن مراكز القوة في إيران متعددة، تشمل الحرس الثوري، الرئاسة، وزارة الخارجية، ومؤسسات عسكرية أخرى، إلا أن الحسم النهائي يبقى بيد المرشد الأعلى، في إطار هرمي مركزي.
كما أشار إلى أن بعض المعلومات التي أوردها ترامب حول دور محتمل لمجتبى خامنئي في ملف التفاوض تندرج ضمن أسلوبه السياسي القائم على دفع المسار التفاوضي وإبقاء الأجواء إيجابية، رغم التناقض أحياناً في تصريحاته.
المفاوضات حتى سبتمبر.. أفق مفتوح أم تمديد للأزمة؟
ويرى كوش أن الحديث عن سقف زمني يمتد حتى سبتمبر يعكس استمرار الغموض حول إمكانية التوصل إلى اتفاق إطار خلال الفترة المقبلة، خصوصاً في ظل التصعيد العسكري المستمر، والردود الإيرانية على استهدافات في الخليج، بما في ذلك الكويت والبحرين.
ويؤكد أن المشهد العام لا يسمح بتوقعات واضحة، وأن كل السيناريوهات تبقى مفتوحة.
التكتيك الإيراني.. إدارة الوقت واستنزاف الخصم
وفي تحليل سلوك التفاوض، يشير كوش إلى أن إيران تعتمد أسلوب “إدارة الوقت” عبر التباطؤ في الردود وإطالة مسار النقاشات، بهدف استنزاف الطرف المقابل والرهان على عامل الإرهاق السياسي والزمني لدى الخصم.
ويضيف أن هذا الأسلوب قد يحقق مكاسب تفاوضية في بعض الحالات، لكنه قد يفتح أيضاً الباب أمام مخاطر غير محسوبة في حالات أخرى.
لبنان وساحات النفوذ.. بين الرسائل السياسية والواقع
ويختتم كوش بالإشارة إلى أن الربط بين الساحات المختلفة، وخاصة لبنان، يدخل في إطار الرسائل السياسية والإعلامية أكثر من كونه وحدة عملياتية فعلية، لافتاً إلى وجود شعور داخل بعض قواعد حزب الله بأن إيران لم تقدم دعماً كافياً خلال فترات التصعيد.
كما يوضح أن واشنطن تسعى إلى صفقة شاملة لا تقتصر على الملف النووي، بل تمتد إلى ملفات إقليمية متعددة، في حين ترفض إيران هذا الربط الشامل بين الملفات.
