تصادف هذه السنة مئوية الفنان التشكيلي الرائد بول غيراغوسيان (1926-1993). ما زلت أذكر عندما التقيته للمرة الأولى انه أدهشني بإشارتين، طفولته وعفويته أولاً وعلاقته بالناس والأماكن والمدن، وثانياً أنه كان يتمشى في معرضه في القاعة الزجاجية التابعة لوزارة السياحة، الحمرا، كملك وسط رياحين وألوان.
ما أن يجلس على كرسيه حتى يتنشق الهواء مثقلاً بالعبير. حملت أسئلتي إليه وكان بين السؤال والسؤال يلاعب حفيدته ويركض معها بين اللوحات والالوان وينفض عن ركبتيها غبار اللعب. ثم يضمها إلى صدره بحنان بالغ ناسياً عصاه على الأرض وناسياً الدنيا والعالم والهموم والحروب. يتذكر تلك الملوانة العتيقة التي قدمها له راهب إيطالي سالزياني في القدس لأنه برع في تقليد الرسوم التي زينت سقف الكنيسة. ويتذكّر كيف رسم لزملائه في الصف طيارة الورق بسهولة، لقاء الشوكولا والتفاح والبونبون. ومتعجباً بينه وبين نفسه كيف أنهم لا يرسمون مثله بتلقائية وغريزية مثل الماء والهواء والكلأ. ولا يخفي أن مشواره في الهجرة بين الناس والمدن كان طويلاً لكنه زرع في نفسه الوفاء للإنسان والمكان.
يهمه كثيراً أن يلعب بألوانه تحت شمس متوسطية ويترك للموضوع الفكرة خيار معانقة الانسان لشمس الألوان. سألته عن قصة العين واليد والقلب في الرسم. كان جوابه: “العين هي اليد والقلب”. وبذلك في رأيي ظل بول يرافق الناس مرافقة متأنية ومحبة ودقيقة لأوضاعهم وانكسار احلامهم وخيباتهم وتحولاتهم. تلك القامات لبثت في أعماله تعيش كأنه نحن وهم وهن في المعاينات المختلفة. يشير بيده إلى الشارع والعابرين. وحين ينفعل يلوح بأصابعه في الهواء وكأنه يريد أن يرسم لوحة للتو ويشركك بها. كنت أسأله إذا ارتاح لنقطة في الحوار فما هي إشارته. أن يطلق ضحكته وفي صوتها طيبة وافرة. علامة. وقبل كل شيء إنسان عينه كانت الأقوى في حركة جسمه. لذلك إنما فنّه من تحسسه لإنسانيته. ومن صدقه قال مرة وهو يجيب على السؤال: “وحياة فني”…
ولكن إذا تدفق اللون من عين الشمس بلغه بسهولة. وشاهد اللون ملموماً أو مضموماً او مكسوراً في أجساد الناس فيضعه على القماش. وهنا أعجوبته الكبرى. ورغم ذلك لم يصل مرة إلى أخر اللون ولا أخر السطر ولا أخر الحياة. في مئوية ولادة بول غيراغوسيان تأخذنا الذكرى إلى الافتقاد والأسى، وإلى الابداع الذي لا يحول ولا يزول.
ولد بول غيراغوسيان في القدس العام 1926، حيث تلقى دروسه الفنية في مدرسة بياترو بازغتي الإيطالية، وفي معهد ياركون بين عامي 1944 و1949. في العام 1956 التحق بأكاديمية الفنون الجميلة في فلورنسا وأقام ثلاث سنوات فيها وثلاث سنوات في باريس ومثلها في الولايات المتحدة. شارك بأعماله في أكثر من مئة معرض في لبنان ومصر والأردن والعراق وأميركا وروسيا وألمانيا والبرازيل وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا. حاز جوائز وأوسمة عديدة منها: الجائزة الأولى من أكاديمية الفنون الجميلة في فلورنسا 1956 والجائزة الاولى لبينالي باريس 1959 وجائزة الدولة اللبنانية التصوير 1973 ووسام من رتبة فارس للفنون والآداب من فرنسا 1984 ووسام مردوس ساريان للفنون الجميلة 1985 ووسام القديس سيلفستر من رتبة فارس من الفاتيكان 1986. وقد اعتبره غاليري كوركوران فنان العام 1970.
أتذكّر صوت أمي في الليل: “يا بول نام… يا بول نام، وأنا لا أنام، بل أنهمك في العمل على صور الفنان الإيطالي تتسيانو. الألوان تذكّرني بالطفولة. ألوان تحت الشمس وتتدفق كالنبع”، يقول.
حاولوا منعه من الرسم ومزقوا لوحاته، لكن “كان الرسم في دمي. توقفت لبرهة ثم عدت بقوة”. كانت أمي تقول حرام أخوك يشتغل وأنت تقعد ترسم. ولما أعطيتها ألف ليرة ثمن لوحة العام 1953 كادت تبكي ويغمى عليها. وسألتني: لماذا لا تعلم أخوك الرسم والتصوير؟ لا أنسى ذلك .
أنا سليل هجرتين وراسم نكبتين (الأرمنية والفلسطينية)، وشاهد حرب مريرة هي الحرب اللبنانية. كنت أمشي في برج حمود وفي المخيمات وأرسم القامات الموجوعة. الحضارة انسان وجماعة. يفتنني حضور الانسان في الجماعة. الحمالون والمتعبون والنساء والمرأة الحامل وكل ذلك بخط واحد. أشيل من الطريق وأضع في اللوحة. سألته ما معيارك؟ قال: “معياري هو الحياة في اللوحة”.
وإذا كان من تعريف للفن فهو الصدق. هو القلق الاكبر. وإذا لم أرسم أصبح شريراً. تعلمت الرسم من المرآة. كان والدي كفيفاً، لكنه كان يرى الموسيقى وهو يعزف على الكمان. لماذا تحب اللون الأحمر؟ “بل أحب اللون الأزعر الذي يروح مع الضوء ويبهت ويذبل”. ونظرتك إلى الخط العربي؟ “حين أرى خط الهواويني أرتجف ويرتخي جسمي لشدة جماله. نعم زينت كتاب النبي لجبران، وكتاب الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع لأنسي الحاج، و”نشيد الأناشيد” وكتاب لأدونيس وغيرها كثير”. وقف أمام لوحاته وقال: “الرسم هو حياتي. يصيرني أنقى. هو الغفران عن كل الأشياء الخاطئة في حياتي”.
توفي بول غيراغوسيان صباح الأحد في 21 تشرين الثاني 1993 إثر نوبة قلبية.
