ما تعرضت له دول الخليج العربي من اعتداءات إيرانية غاشمة استهدفت بنيتها التحتية، تطرح  تساؤلاً عن أهمية التخطيط الاستراتيجي الاستباقي في زمن ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي.  إن حماية البنية التحتية الوطنية ليست مشروعاً إنشائياً ينفذ مرة واحدة، بل عملية ديناميكية مستمرة.

فكلما تطورت الطائرات المسيرة على سبيل المثال أو تغيرت تكتيكات المعتدين، أصبحت الإجراءات السابقة أقل فعالية. وهذا ما يجعل بعض المنشآت تدخل في سباق دائم بين تطوير وسائل الهجوم وتحديث وسائل الحماية.

وفي غياب مراجعات دورية قائمة على تحليل تهديدات فعلية، ومعايير ديناميكية ومرنة، تصبح وسائل الحماية انعكاساً لتهديدات الأمس لا تهديدات الغد.في العديد من الدول، لا يزال جزء من منظومة التخطيط يعمل وفق نماذج ذهنية تشكلت في حقبة مختلفة، عندما كانت التهديدات أكثر وضوحاً وأبطأ تطوراً وأكثر قابلية للتنبؤ.

أما اليوم، فإن البيئة الأمنية أصبحت بيئة مركبة ومتزامنة ومتغيرة باستمرار، حيث يمكن أن تتداخل الحرب السيبرانية والتشويش الإلكتروني مع الهجمات بالطائرات المسيرة، وحملات التضليل الإعلامي مع استهداف البنية التحتية، وارتفاع الضغوط الاقتصادية والاستثمارية مع عمليات التأثير الاجتماعي والنفسي. ومع ذلك، ما زالت بعض سجلات التهديدات والسيناريوهات  الخاصة لمواجهتها تبنى وكأن كل تهديد سيحدث منفرداً وبشكل خطي ومتدرج.
إن المشكلة ليست فقط في نقص السيناريوهات الذكية، بل في  الخيال الاستراتيجي الذي ينتجها، والذي يتعين أن يكون واسع الأفق. فالكثير من السيناريوهات تبنى على المعلوم والمرصود فقط، وعلى القدرة على الحد من حجم وأثر التهديد وتوفر الموارد اللازمة للتصدي له، بينما يفترض أن تركز بالدرجة الأولى على ما لم يحدث بعد، والتفكير الحر الإبداعي غير المقيد بمهام وواجبات المؤسسة التي يجب أن تقود لتعزيز حماية البنية التحتية المدنية في ظل عدم اليقين والضبابية وتنوع النمط والتكرار، وهذا الفرق هو الفاصل بين التخطيط التقليدي والتخطيط الاستراتيجي الاستشرافي الحقيقي. 
كما أن أحد أبرز التحديات يتمثل في الفصل المؤسسي بين التخصصات؛ فالتخطيط  الاقتصادي والصناعي، يتم بمعزل عن المجتمعي، والمجتمعي بعيد عن التقني، في حين أن التهديدات الحديثة لا تعترف بهذه الحدود. فالهجوم الواحد قد يبدأ رقمياً، ويتحول إلى أزمة تشغيلية، ثم إلى أزمة إعلامية، ثم إلى أزمة ثقة عامة، ثم إلى خسائر اقتصادية ومالية. وعندما تُدار هذه الأبعاد بشكل منفصل، تصبح الاستجابة أبطأ من الحدث نفسه.
إن مراكز التفكير الاستراتيجي التي ترصد التحديات  الأمنية، مطالبة اليوم بالانتقال من عقلية إدارة المخاطر إلى عقلية إدارة فجوات التهديدات وصناعة البيئة التي تحد من التهديدات وتديرها قبل أن تتبلور إلى واقع، ومن التفكير الجزئي التخصصي إلى التفكير المنظومي الشمولي متعدد التخصصات، ومن التخطيط للأحداث المنفردة إلى التخطيط للصدمات المركبة والمتزامنة. كما أن إجراءات القطاعات يجب ألا تكون وثائق جامدة تحدث كل عدة سنوات، بل منصات ديناميكية تتطور بصورة مستمرة وتختبر الفرضيات والاحتمالات غير التقليدية وغير المريحة طوال الوقت. 
فالتحول المطلوب لا يتعلق بتغيير التوجه أو شراء معدات جديدة فقط أو تقليل نقاط الضعف التشغيلية، بل  إشراك أكبر عدد من العقول في منصات وطنية تفاعلية، وبإعادة بناء منهجية التفكير نفسها. فالتحديات القادمة لن تنتظر البيروقراطية، ولن تحترم الحدود التنظيمية، ولن تتكرر بنفس الشكل الذي ظهرت به سابقاً. ولذلك فإن المستقبل سيكافئ الدول التي تمتلك القدرة على التفكير خارج النماذج التقليدية، وتملك الشجاعة لمراجعة افتراضاتها القديمة، وتبني منظومات جاهزية قادرة على التعامل مع المجهول وغير المتوقع. لقد أصبح واضحاً أن عصر التحسينات الجزئية يقترب من نهايته، وأن المرحلة القادمة تتطلب مراجعة شاملة للمفاهيم والهياكل والمنهجيات والأدوار والمسؤوليات.
 فالتحدي لم يعد في امتلاك الموارد، بل في امتلاك الرؤية القادرة على توظيف تلك الموارد في مواجهة تهديدات تتحرك بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات التقليدية على استيعابها. وفي عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، فإن أخطر أنواع التهديدات ليست تلك التي نعرفها، بل تلك التي لم نتصور حدوثها أصلاً.  فالمؤسسات التي تنتظر ظهور المؤشرات الكاملة قبل التحرك تتأخر فعلاً عن مواكبة التطورات. 
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.