بعد عامين على ترميمه وافتتاحه مُجدّداً إثر حريق عام 2021، يستعيد مسرح استوديو ناصيبيان حضوره واحداً من أبرز فضاءات المسرح المستقلّ في القاهرة، مقدماً نموذجاً لمساحة ثقافية تحولت من استوديو سينمائي إلى مختبر للتجريب الفني. “أصوات” هو أحد العروض الأخيرة التي استضافها المسرح، من إخراج شادي الدالي، وبمشاركة مجموعة من الممثلين الشباب. قُدّم العرض على مدى الخميس والسبت الماضيين، وجاء نتاجاً لورشة “مسرح الممثل” التي تقدمها مؤسسة جزويت القاهرة. قبل هذا العرض بأيام قليلة، استضاف المسرح عرضاً آخر للفنانة سماح حمدي بعنوان “بماذا يحلم الناجون”، ويشكل العرضان معاً نموذجاً لطبيعة التجارب التي يحتضنها ناصيبيان، بوصفه مساحة مفتوحة للعروض الأدائية، والتجريب، وورش التمثيل والحركة.
تاريخ متعدد الطبقات
يتزامن تقديم هذين العرضين مع الذكرى الثانية لافتتاح المسرح بعد الحريق الذي تعرّض له في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، كما تفتح المناسبة باباً لاستعادة تاريخ متعدد الطبقات لمساحة ثقافية تغيّرت وظائفها، من استوديو سينمائي إلى منصة مهمة للفرق المستقلة، من دون أن تفقد أثرها في المشهد الثقافي. اليوم، يبدو ناصيبيان مساحة تعمل بإيقاع مختلف عن المسارح التقليدية؛ إنتاج محدود، وحلول بصرية مقتصدة، وتركيز واضح على الأداء الحيّ والعلاقة المباشرة مع الجمهور. العروض هنا قد تكون محدودة الإمكانيات أو متقشفة أحياناً لكنها مشغولة بعناية.
حافظ على جوهره فضاء ثقافياً رغم التحولات التي شهدها
بدأت حكاية المسرح في ثلاثينيات القرن العشرين، حين قرر المصوّر الأرمني هرانت ناصيبيان إنشاء استوديو سينمائي في منطقة الفجالة، على مقربة من قلب القاهرة التجاري والثقافي. تشير أغلب المصادر إلى عام 1937 تاريخاً للتأسيس، مع وجود إشارات إلى بدء التجهيزات قبل ذلك بعامين تقريباً. جاء المشروع في سياق صعود صناعة السينما المصرية بعد إنشاء استوديو مصر عام 1935، ليشكّل استوديو ناصيبيان محاولة موازية ببنية إنتاجية خاصة، ضمّت مساحات تصوير داخلي ومعامل للتحميض والطبع.
ورغم هذه الأهمية، ظل الاستوديو هامشياً في تاريخ السينما المصرية. لا تتوفر حول مؤسّسه سوى شذرات متناثرة، كما يقول الباحث سامح سامي مدير جزويت القاهرة لـ”العربي الجديد”، ما جعل اسمه أقرب إلى أثر يكاد يختفي من الذاكرة الثقافية. وتشير بعض الشهادات، خاصة المصادر الأرمنية المصرية، إلى أن ناصيبيان كان من أعيان الجالية الأرمنية، وتولى مواقع قيادية داخل مؤسساتها، إلى جانب نشاطه في التصوير الفوتوغرافي، حيث امتلك استوديوهات في وسط البلد.
بعيداً عن التجاري والسائد
توقّف النشاط السينمائي في الاستوديو تدريجياً مع بداية الثمانينيات، ليدخل المكان في مرحلة إهمال طويلة، تحوّل خلالها إلى فضاء شبه مهجور. كان يمكن أن يلقى مصير كثير من المباني الثقافية التي اختفت أو هُدمت، لولا التحول الذي حدث في منتصف التسعينيات، حين اشترت الرهبنة اليسوعية الموقع عام 1996. وتشير وثائق البيع إلى أن البناء كان في حالة تهالك، ما جعل عملية إنقاذه أقرب إلى عملية تأسيس شبه كاملة.
افتتح المسرح في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، وسرعان ما تحول إلى نقطة ارتكاز في مشهد المسرح المستقل في القاهرة. في وقت كانت فيه البنية الرسمية تعاني أزمات متكررة، ظهر ناصيبيان مساحة مرنة تستقبل تجارب شابّة، وتتيح هامشاً من الحرية الإنتاجية. يتميز المسرح بعدة خصائص منحته طابعاً مختلفاً. فموقعه على أطراف وسط البلد، في منطقة شبه هامشية، أتاح له قدراً من الابتعاد عن الضغوط التجارية، بينما وفّر ارتباطه بمؤسسة ثقافية أوسع بنية دعم نسبية. أما قاعته الصغيرة (نحو 200 مقعد) فتسمح بتجارب إخراجية تعتمد على القرب من المتلقي.
غير أن هذا الدور لم يكن معزولاً عن تحولات أوسع. فمنذ منتصف العقد الثاني من الألفية، واجه المشهد المستقل تحديات متزايدة، من تضييق إداري وصعوبات تمويل، إلى تراجع المساحات المتاحة وتغير ذائقة الجمهور. في هذا السياق، حاول ناصيبيان بما تسمح به إمكاناته. جاء حريق 2021 ليشكّل لحظة فاصلة، وصدمة حقيقية للمجتمع المسرحي المستقل. غير أن اللافت أن النشاط لم يتوقف بالكامل خلال فترة إعادة البناء، إذ استمرّت العروض والورش بأشكال بديلة. استغرقت عملية الترميم والبناء نحو ثلاث سنوات، قبل الافتتاح الذي تحول إلى لحظة جماعية شارك فيها فنانون ومؤسسات وأفراد، نموذجاً لعمل ثقافي قائم على تداخل المبادرات الصغيرة، والجهود الفردية مع المؤسسات الأهلية في مواجهة هشاشة البنية الرسمية.
