
عثمان العمير قاد واحدة من أبرز تجارب الإعلام العربي المستقل عبر تأسيس «إيلاف» كأول يومية عربية إلكترونية مستقلة عام 2001.
لذلك، بدا مناسباً أن تُمنح، خلال الجمعية البرلمانية للفنون والأزياء والرياضة في مجلس العموم البريطاني في لندن، شهادة تقدير خاصة إلى «إيلاف» ومؤسسها ورئيس مجلس إدارتها عثمان العمير، تكريماً لربع قرن من الإسهام في الصحافة وحرية التعبير وتطوير الإعلام العربي المستقل.
وقدّمت التكريم ريبيكا ريوفريو، رئيسة الجمعية البرلمانية للفنون والأزياء والرياضة، معبّرة عن إعجابها برؤية العمير وبالمسار اللافت الذي صنعته «إيلاف».

في تكريم برلماني بلندن، تستعيد مسيرة عثمان العمير معنى الريادة التي جعلت «إيلاف» تجربة عربية سبقت زمنها في الصحافة الرقمية المستقلة
وقالت: «خمسة وعشرون عاماً ليست رقماً سهلاً في عالم الإعلام. وهي أكثر استثنائية في الصحافة العربية، حيث واجهت الصناعة تحولات سياسية وتكنولوجية واجتماعية هائلة. لقد كان عثمان العمير، على الدوام، متقدماً على أقرانه، يلتقط التحولات قبل وقت طويل من أن يدركها الآخرون».
والواقع أن العمير كان يبني أسس التحول الرقمي قبل أن تتحول العبارة نفسها إلى لازمة شائعة في المؤتمرات والخطابات الإعلامية.
لفهم أهمية «إيلاف»، لا بد أولاً من فهم الرجل الذي يقف وراءها.
تمتد مسيرة عثمان العمير إلى أكثر من أربعة عقود، وهي تعكس، في ذاتها، جانباً مهماً من تطور الصحافة العربية الحديثة. وبصفته أول سعودي يتولى رئاسة تحرير صحيفة «الشرق الأوسط»، إحدى أبرز الصحف العربية الدولية تأثيراً، تحدّى العمير المألوف منذ البداية. ففي زمن كان يُنتظر فيه من كثير من الصحف أن تتصدر صفحاتها الأنشطة الرسمية، دفع العمير الصحافة نحو أفق أوسع: التغطية الدولية، والاكتشاف العلمي، والتحليل السياسي، والانخراط الجاد مع العالم.
ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك ما حدث عام 1997, حين أذهلت عملية استنساخ النعجة دوللي العالم. وبينما تردد كثير من رؤساء التحرير، مراعاةً للحساسيات المحيطة بالتجارب العلمية، وضع العمير الخبر في موقع بارز على الصفحة الأولى من «الشرق الأوسط». كان قراراً تحريرياً جريئاً، كشف عن استعداد واضح لتقديم المعرفة والابتكار والمصلحة العامة على حساب الاعتبارات التقليدية.
وقد أصبحت غرفة أخباره جسراً بين الثقافات. فمن خلال اتفاقات نشر رائدة مع مطبوعات من بينها The Independent وThe New York Times وThe Wall Street Journal وThe Sunday Times وThe Observer، حصل القارئ العربي على وصول غير مسبوق إلى بعض من أبرز ما أنتجته الصحافة في العالم الناطق بالإنكليزية. وفي المقابل، استفاد الجمهور الغربي من تقارير ورؤى آتية مباشرة من المنطقة العربية.
وعلى امتداد مسيرته، أجرى العمير مقابلات مع عدد من أكثر الشخصيات تأثيراً في العصر الحديث، من بينهم مارغريت ثاتشر، وجون ميجر، وهلموت كول، وجاك شيراك، وميخائيل غورباتشوف، والملك حسين بن طلال، والملك فهد بن عبد العزيز، والرئيس جورج بوش الأب، إلى جانب شخصيات أخرى كثيرة. ومع ذلك، كثيراً ما يشير زملاؤه إلى أن أقوى ما امتلكه لم يكن الوصول إلى أصحاب السلطة، بل الفضول. فقد اقترب من القادة لا بوصفهم رموزاً، بل بوصفهم موضوعات تستحق الفحص والمساءلة.
ثم جاءت خطوته التي ربما كانت الأكثر ثورية.
في عام 2001، حين كانت صحف كثيرة لا تزال تنظر إلى الإنترنت بشيء من الريبة، أطلق العمير «إيلاف»، أول صحيفة عربية إلكترونية مستقلة. اليوم قد يبدو ذلك خياراً بديهياً. أما في ذلك الوقت، فقد رآه كثيرون تجربة متهورة.
في عام 2001، حين كانت صحف كثيرة لا تزال تنظر إلى الإنترنت بشيء من الريبة، أطلق العمير «إيلاف»، أول صحيفة عربية إلكترونية مستقلة. اليوم قد يبدو ذلك خياراً بديهياً. أما في ذلك الوقت، فقد رآه كثيرون تجربة متهورة.
وقد ثبت أنه كان عكس ذلك تماماً.
سرعان ما أصبحت «إيلاف» واحدة من أكثر المصادر الإخبارية العربية قراءة في العالم. واستقطبت كتّاباً عُرفوا باستقلالية التفكير، وبالنقاش الفكري، وبتنوع الرؤى. ورغم ما واجهته في سنواتها الأولى من عقبات وقيود في عدد من البلدان، ازدهرت الصحيفة لأنها قدّمت ما تزداد قيمته كلما ضاق المجال العام: الاستقلال التحريري.
لم يكن نجاحها مصادفة. فقد بُني على إيمان واضح بأن الصحافة ينبغي أن تتحدى وتخبر وتصل بين العوالم، لا أن تكتفي بالتكرار.
ولا تزال تلك الفلسفة اليوم على القدر نفسه من الأهمية الذي كانت عليه قبل خمسة وعشرين عاماً.
وقبل وقت قريب، وفي معرض حديثه عن صعود الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، حذّر العمير من أن التكنولوجيا يجب ألا تحل أبداً محل الروح الإنسانية للصحافة. فهو، مع ترحيبه بالابتكار وبأدوات الذكاء الاصطناعي، يرى أن الصحافة من دون حكم إنساني وفضول ونزاهة تخاطر بأن تصبح بلا روح.
وهي رؤية تنسجم تماماً مع المسيرة التي بناها.
كما احتفت الأمسية بشخصيات بارزة أخرى من قطاع الإعلام. فقد نالت دينيز باركنسون، نائبة رئيس المبيعات في Variety، تقديراً لقيادتها العالمية في إعلام الترفيه، فيما كُرّمت أندريا تومبسون، رئيسة التحرير السابقة لمجلة Marie Claire، لإسهامها البارز في الصحافة والاتصال الدوليين.
ومعاً، عكست هذه التكريمات المعنى الأوسع للجمعية: مسؤولية التأثير، والأهمية الدائمة للأصوات الموثوقة في الحياة العامة.

في تكريم برلماني بلندن، تستعيد مسيرة عثمان العمير معنى الريادة التي جعلت «إيلاف» تجربة عربية سبقت زمنها في الصحافة الرقمية المستقلة.
وبينما اجتمع الضيوف تحت الأسقف التاريخية لوستمنستر، حمل تكريم «إيلاف» رمزية خاصة.
فعلى مدى خمسة وعشرين عاماً، أثبتت الصحيفة أن الصحافة العربية قادرة على أن تكون دولية في أفقها، مستقلة في تفكيرها، وجريئة في سعيها وراء القصص التي تستحق أن تُروى. وقد سبق مؤسسها المستقبل مراراً، سواء عبر الشراكات التحريرية الدولية، أو ريادة النشر الرقمي، أو استكشاف دور الذكاء الاصطناعي في الإعلام الحديث.
لذلك، فإن قصة إيلاف ليست مجرد قصة صحيفة.
إنها قصة إيمان بأن الصحافة يجب أن تتطور من دون أن تتخلى عن مبادئها.
وبعد ربع قرن، لا يزال ذلك الإيمان يتردد صداه في العالم العربي وما بعده.
تنشر «إيلاف» هذا النص بالاتفاق مع PARLIAMENT NEWS
