في وقت لا يزال إرث نظام بشار الأسد في المجازر عصيّاً على الإحصاء والحصر، يأتي فيلم “نسور الجمهورية” للمخرج المصري السويدي طارق صالح ليذكّرنا أن القمع والفساد القاتل، في زمن الإبادة الإسرائيلية والحروب الإقليمية التي لا تنتهي، لا يزالان القاتل الأول في العالم العربي. الفيلم ليس فعل معارضة بقدر ما هو فعل شجاعة. أن تشاهد فيلماً عربيّاً في قاعات عروض السينما في لندن مع حضور كبير هو نوع من التعزية والهروب من قبح الواقع. لكن مشاهدة دراما تشويق سياسي حول قبح آلة قمع نظام العسكر الذي يحكم مصر يعيدك إلى الواقع مجدّداً، وإلى نوستالجيا طموحات الربيع العربي التي سقطت بلا عودة.

ليست رواية القتل والفساد على يد “نسور” الأنظمة الديكتاتورية حالة جديدة أو خاصة بالعسكر في مصر، إلا أنّ فيلماً عربيّاً هذه المرة يجرؤ على تصوير مهزلة الدكتاتورية ومأساتها فيما رأس السلطة في سدّة الحكم والبطش. من الطبيعي أن لا يضم الفيلم ممثلين مصريين كثيرين، نظراً إلى تبعات الفيلم عليهم وعلى عائلاتهم. ومن الطبيعي والمتوقع أن يسطع فيه الممثل المصري، النجم عمرو واكد، الذي يعيش في المنفى ويواجه أحكاماً عسكرية غيابية بالسجن ثماني سنوات بتهمة نشر أخبار كاذبة وإهانة الدولة، كما أعلن سابقاً. وكان واكد قد واجه اتهامات من الوسط الفني بالخيانة العظمى بسبب انتقاده النظام وسجل حقوق الإنسان في مصر، رغم تأييده أولاً الانقلاب العسكري على الرئيس الإخواني المنتخب ديمقراطياً محمد مرسي. في الفيلم، يؤدّي واكد دور مسؤول المخابرات النافذ واللاعب الأكثر سطوة في صراع الأجنحة في المؤسسة العسكرية، الذي يتحكّم بلعبة القتل ويخرج منها منتصراً على منافسيه (الدكتور منصور). الحبكة ليست بعيدة عن مسار واكد وصالح، ولو أن بطل الفيلم، الممثل السينمائي الواسع الشعبية جورج فهمي (يلعب الدور اللبناني السويدي فارس فارس)، المسيحي القبطي ليس معارضاً ولا موالياً للنظام، إلا أنه يظن أن شعبيته الواسعة وحبّه مصر كافيان لحمايته من ضغوطه. قلة قليلة من الفنانين المصريين رفعوا صوتهم في وجه القمع خلال الانقلاب العسكري وبعده، بل إن عدداً منهم ساهم في تجميله. لعل الفيلم هو أولاً وقبل أي شيء آخر كاريكاتور للطبقة الفنية التي غالباً ما استخدمت مطية للتلميع في عهد عبد الفتاح السيسي وقبله، حتى بات الفن السابع بكامله موجّها لخدمة ترويج “الريس” وحاشيته في زمن حصر الإنتاج بمؤسّسة عملاقة مرتبطة بجهاز المخابرات. يقيم الفيلم مقاربة مع مسلسل “الاختيار” الذي عرض قبل أعوام، واعتبر دراما ترويجية للجيش المصري، وجسّد الفنان ياسر جلال شخصية السيسي في الجزء الثالث، ما اعتبر “ملحمة وطنية” في مديح المؤسّسة العسكرية، إلا أن “نسور الجمهورية” يذهب أبعد بكثير من مجرد الرد على ذلك المسلسل الترويجي.

يواجه الممثل في الفيلم، عمر واكد، أحكاماً عسكرية غيابية بالسجن ثماني سنوات بتهمة نشر أخبار كاذبة وإهانة الدولة

في “نسور الجمهورية”، لا خيار أمام الممثل الشعبي جورج فهمي الملقب “فرعون الشاشة” سوى قبول طلب السيسي وفريق عمله أن يؤدّي شخصية “الريس” في فيلم يفترض أن يقدم سردية النظام للانقلاب العسكري الذي لا يزال يقدّمه على أنه ثورة شعبية، رغم نتائجها الكارثية في انحسار مساحة الحريات في البلاد. يحاول الممثل أن يقنع فريق الجيش بأنه لا يمكن منطقياً أن يؤدّي دور “الريس” باعتباره طويل القامة على عكس السيسي، لكن تلك ليست مشكلة بالنسبة للفريق الذي يريد أيضاً أن يؤدّي فهمي الدور من دون أن يغيّر شيئاً من شكله. يحاول الأخير أن يحسّن من السيناريو الذي يبدو مضحكاً ومناقضاً لوقائع ما جرى في الأيام الأخيرة قبيل الانقلاب، من اللقاء الأخير بين السيسي ومرسي إلى نزول الشعب الى الشارع للمطالبة بإزاحة مرسي، في مشهد نرى فيه مواطنين يتهافتون راكضين، منهم من يقفز على سطح قطار، لتحية الرئيس الذي لم ينتخب بعد مردّدين هتافات: السيسي رئيسي.

ليس الفيلم ساخراً كما قد يبدو من الحبكة. باستثناء بعض المواقف، مثل قول أحد مسؤولي العسكر إن شكسبير عربي سرقه الإنكليز، وطلب إحدى مسؤولات هيئة الرقابة من جورج فهمي ألا يشرب الخمر في إحدى المناسبات، باعتبار أن “الريس رجل مؤمن”. يشعر مشاهد الفيلم بالرعب وضيق النفس، لضيق فرص النجاة من قبضة النظام العسكري في عمق فساده وعنفه. يقدّم الفيلم مشهدية سوداء للمؤسّسة العسكرية التي تعتبر الخط الأحمر الذي لا يجرؤ أحد على المسّ به. لكنه يقدم أيضاً نقداً لحالة التهافت التي تعبر طبقات المجتمع على اختلافها لإرضاء الطغمة الحاكمة والحصول على قطعة من كعكة السلطة، بما في ذلك عمليات فبركة التاريخ التي بات الفن السابع عمودها الرئيسي في ترويج أكاذيب تعيد صياغته على مقاس السلطة.

فيلم مصري يؤدّي تحية، ولو غير مباشرة، للذين اختفوا في السجون

يقدّم الفيلم أيضا تحية، ولو غير مباشرة، للذين اختفوا ولا يزالون يختفون في السجون وبعضهم انتهى قتلاً تحت التعذيب، على شاكلة منتج أفلام الممثل النجم الذي خطف وانتهى جثة، كما تم تبليغ الممثل للضغط عليه. بحسب التقديرات، تؤوي السجون في مصر حوالي 60 ألف سجين سياسي، من بين إجمالي 110 آلاف سجين. وتفيد تقارير المنظمات الحقوقية أن مراكز الاحتجاز تعاني من اكتظاظ وإهمال طبي وحبس انفرادي وسوء الصرف الصحي، مع إخضاع آلاف لمحاكمات عسكرية جماعية مخالفة للأعراف القانونية.

منع الفيلم من العرض في مصر، كما هو متوقع، وتم تجاهله عموماً من الإعلام المصري على الرغم من عرضه في دور السينما عالمياً. وكانت السويد قد اختارت الفيلم لتمثيلها لجائزة أفضل فيلم روائي دولي في جوائز الأوسكار، لكنه لم يُرشَّح رسمياً للجائزة. مؤكّدٌ أن مخرج الفيلم طارق صالح والممثل النجم عمرو واكد لن يكون بإمكانهما العودة إلى مصر، أقله في وقت قريب. لكنهما اختارا الشجاعة في وجه القمع عكس تيار التلميع والتطبيل في الوسط الفني في خدمة النظام. والاختيار هذا فعل وطني بامتياز في حب مصر.