بقلم/ د. فايزة سعيد كاب، باحثة جزائرية في الشؤون الصينية والعلاقات الصينية الدولية

كثيرًا ما يُنظر إلى الأدب بوصفه تعبيرًا فنيًا عن مشاعر الأفراد وتجاربهم الإنسانية، غير أن دوره يتجاوز ذلك بكثير، إذ يشكل أداةً مركزية لفهم المجتمعات والعقليات السياسية والثقافية التي تشكل سلوكها. فالرواية ليست مجرد سرد لحكاية، بل تُعد وثيقة اجتماعية تكشف ما قد تغفله الوثائق الرسمية أو السرديات السياسية المباشرة. ومن هذا المنطلق، شكّلت ورقة الدكتوراه التي تناولت شخصية أكيو في رواية “القصة الحقيقية لأكيو” مدخلًا تحليليًا لفهم جانب من العقلية الصينية خلال مرحلة تاريخية مفصلية، وأتاح لي هذا التحليل إدراك الكيفية التي يمكن للأدب الاجتماعي من خلالها الكشف عن أنماط التفكير الجمعي، وتسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الفرد والسلطة والمجتمع. ومن خلال هذا المنظور، يتضح أن الأدب لا يقتصر على تمثيل الواقع جماليًا، بل يؤدي وظيفة تفسيرية ونقدية تُسهم في فهم البنى الذهنية والثقافية الكامنة، وتكشف الأدوات الفكرية التي يوظفها الأدباء لتوجيه الوعي وإحداث التغيير الاجتماعي والسياسي.

تحتل شخصية أكيو مكانة خاصة في الأدب الصيني الحديث. فقد ابتكرها لو شين في مطلع القرن العشرين، في مرحلة كانت الصين تشهد فيها أزمة حضارية عميقة مع انهيار النظام الإمبراطوري التقليدي وتزايد الشعور بالتخلف أمام القوى الغربية واليابان. وفي هذا السياق، لم يكن لو شين يهدف إلى تقديم شخصية فردية بقدر ما كان يسعى إلى رسم صورة رمزية لمرض اجتماعي وثقافي رآه متجذرًا في المجتمع الصيني آنذاك، ولتسليط الضوء على العوامل النفسية والثقافية التي تمنع المجتمع من التقدم السياسي والاجتماعي.

يُصوَّر أكيو على أنه رجل بسيط وفقير يتعرض للإهانة والاستغلال والهزيمة بشكل متكرر. إلا أن ما يلفت الانتباه ليس الهزائم نفسها، بل الطريقة التي يتعامل بها معها. فبدلًا من مواجهة الواقع أو محاولة تغييره، يلجأ إلى إعادة تفسير الأحداث بصورة تمنحه شعورًا نفسيًا بالانتصار. فإذا تعرض للضرب أقنع نفسه بأنه أفضل أخلاقيًا ممن ضربه، وإذا أُهين اعتبر ذلك دليلًا على أهمية مكانته، وإذا فشل وجد مبررات تجعله يشعر بالتفوق رغم الهزيمة. هذه الآلية النفسية التي أطلق عليها النقاد لاحقًا اسم “الانتصار الروحي” أو “قانون أكيو” أصبحت من أكثر المفاهيم شهرة في النقد الأدبي الصيني، وهي تكشف كيف يمكن للفرد أن يستخدم العقل لإعادة بناء شعوره بالكرامة وسط الهزائم.

وعلى الرغم من أن دراستي انطلقت من تحليل هذا القانون النفسي، فإنني توصلت إلى أن ما صوره لو شين لا يقتصر على الصين وحدها. فالرغبة في حماية الذات من الإحباط والهزيمة سلوك إنساني عام، ويمكن العثور على مظاهره في مختلف المجتمعات والثقافات. لذلك خلصت في رسالتي الدكتوراه إلى أن “قانون أكيو” ليس سمة صينية خالصة، بل آلية نفسية عالمية يلجأ إليها الإنسان عندما يعجز عن تغيير الواقع أو التكيف معه. غير أن خصوصية رواية لو شين تكمن في أنه استخدم هذه الآلية النفسية للكشف عن أزمة اجتماعية وسياسية أعمق، وهي الأزمة المرتبطة بالعقلية الإقطاعية والموروثات الثقافية التي تثبط روح التغيير.

لقد رأى لو شين أن المجتمع الصيني في ظل النظام الإقطاعي الطويل لم يكن يعاني من التخلف المادي فحسب، بل من أنماط تفكير كرست الخضوع والاستسلام. فالعلاقات الاجتماعية كانت تقوم على التراتبية الصارمة والطاعة للسلطة، سواء كانت سلطة الأسرة أو القرية أو الدولة. وفي مثل هذا المناخ، يصبح التمرد على الواقع أمرًا بالغ الصعوبة، فيلجأ الأفراد إلى تعويض عجزهم الواقعي بانتصارات نفسية متخيلة. ومن هنا جاءت شخصية أكيو بوصفها نقدًا لاذعًا لعقلية تفضل التكيف السلبي مع الواقع على مواجهته.

ويبرز لو شين ككاتب اجتماعي وفيلسوف عملي، إذ كان يعتقد أن التغيير الحقيقي يبدأ من العقل والفكر قبل الجسد والمؤسسات. لقد رأى أن إصلاح المجتمع لن يتحقق بمجرد إسقاط الإقطاعية أو استبدال نظام سياسي بآخر، بل يجب أولًا معالجة أنماط التفكير والقيم الراسخة في الوعي الجمعي، وتحرير الفرد من قيود التقليد والخوف والاعتماد على السلطة. وهكذا، يمكن قراءة أدبه بوصفه علاجًا للعقل قبل الجسد، أي محاولة لتفكيك البنية النفسية التي تمنع المجتمع من التقدم والتجديد، قبل التفكير في التغيير السياسي أو القانوني.

إن أهمية رواية “أكيو” لا تكمن في تصويرها للفرد وحده، بل في كشفها للعلاقة بين النفس والبنية السياسية. فلو شين كان يدرك أن السلطة لا تمارس تأثيرها عبر القوانين والمؤسسات فقط، بل عبر تشكيل طرائق التفكير والنظر إلى الذات والعالم. ولذلك يمكن قراءة أكيو بوصفه نتاجًا لمنظومة اجتماعية وسياسية كاملة، لا مجرد شخصية تعاني من نقاط ضعف فردية. فهزائمه المتكررة ليست نتيجة فشله الشخصي فحسب، بل نتيجة بيئة ثقافية جعلت الاستسلام فضيلة، والطاعة قيمة عليا، والتكيف مع الظلم أسلوبًا للبقاء.

ومن هنا ساعدتني دراسة الأدب الصيني الحديث على فهم جانب من العقلية السياسية الصينية بصورة ربما لا توفرها الدراسات السياسية التقليدية وحدها. فالأدب يكشف المشاعر والافتراضات والقيم التي تتحكم في سلوك الناس، ويتيح فهمًا أعمق لكيفية تشكل الوعي الجماعي. ومن خلال قراءة لو شين، أمكنني أن أرى كيف كان المثقف الصيني في مطلع القرن العشرين ينظر إلى مشكلات مجتمعه، وكيف كان يعتبر إصلاح العقلية شرطًا أساسيًا لإصلاح الدولة. كما ساعدني ذلك على إدراك كيفية استخدام الأدب الاجتماعي كأداة نقدية لتحفيز التغيير السياسي والاجتماعي، إذ يُظهر العلاقة الوثيقة بين التحولات الفكرية والتطورات السياسية.

لقد أدركت من خلال هذه الدراسة أن الأدب الاجتماعي لا يقدم معلومات عن المجتمع فحسب، بل يساعد على فهم منطقه الداخلي وطريقة تفكير أفراده. وهو ما يجعله أداة لا غنى عنها لفهم العقلية السياسية للمجتمعات. فالرواية تستطيع أن تكشف عن علاقة الفرد بالسلطة، وعن مصادر الشرعية الاجتماعية، وعن التصورات السائدة حول النجاح والفشل والكرامة والعدالة، وهي قضايا تقع في صميم أي تحليل سياسي واجتماعي.

وفي النهاية، لم تكن دراسة أكيو بالنسبة إليّ مجرد بحث في شخصية روائية أو نص أدبي، بل كانت رحلة لفهم الإنسان والمجتمع معًا. فقد أظهرت لي كيف يمكن للأدب أن يكون نافذة على العقلية السياسية والثقافية لشعب بأكمله، وكيف استطاع لو شين أن يحول قصة رجل بسيط إلى نقد عميق لعصر كامل. كما أكدت لي أن “قانون الانتصار الروحي” الذي جسده أكيو، وإن ارتبط تاريخيًا بظروف الصين الإقطاعية، يعبر في جوهره عن نزعة إنسانية عامة تدفع الأفراد إلى البحث عن توازن نفسي في مواجهة واقع لا يستطيعون تغييره. ومن هنا تتجلى القيمة الحقيقية للأدب الاجتماعي، فهو لا يكتفي بوصف المجتمع، بل يساعدنا على فهمه وتحليل آلياته الخفية، وفهم العلاقة المعقدة بين النفس والثقافة والسياسة، ويفتح الطريق أمام التفكير في إصلاح العقل قبل إصلاح المؤسسات، كشرط أساسي للتغيير السياسي والاجتماعي.