لم تعد الكراهية في عصر الإعلام الرقمي مجرد مشاعر عابرة أو خلافاتٍ سياسية بين الأطراف، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى صناعة متكاملة تقوم على إثارة الغضب والخوف والانقسام لتحقيق مكاسب سياسية وإعلامية واقتصادية.

 

والأخطر أن هذه الصناعة أصبحت تجد بيئةً خصبة للانتشار في عالم سريع ومزدحم بالمعلومات، حيث تنتشر الشائعة أسرع من الحقيقة، ويعلو الصوت الغاضب أحياناً على صوت العقل.

الطريق الأسرع للشهرة!

 

تكمن المشكلة الأساسية في أن منصات الإعلام الاجتماعي بُنيت على جذب الانتباه وتحقيق أكبر قدر من التفاعل، بينما يعتبر المحتوى الصادم أو العدائي الأكثر قدرة على الانتشار. فكل تعليق غاضب، وكل جدل حاد، وكل مادة تثير الانقسام، تمنح المنصات مزيداً من المشاهدات والأرباح. ومع الوقت أصبح البعض يدرك أن الطريق الأسرع للشهرة أو التأثير لا يمر عبر المعرفة والطرح المتزن، بل عبر الاستفزاز والتجييش وإثارة العواطف.

ولم يعد الأمر مقتصراً على الأفراد، فهناك جماعات متطرفة وتيارات شعبوية وحتى بعض القوى الإقليمية والدولية تستفيد من حالة الانقسام المجتمعي. فالمجتمعات المتماسكة يصعب اختراقها، بينما المجتمعات المنقسمة تصبح أكثر هشاشةً وأقل قدرة على مواجهة الأزمات. ولهذا شهد العالم خلال السنوات الأخيرة استخداماً واسعاً للجيوش الإلكترونية وحملات التضليل الإعلامي لإثارة الفوضى وبث الكراهية وإضعاف الثقة بين الناس ومؤسساتهم.

كما أن بعض المؤثرين وصناع المحتوى اكتشف أن “اقتصاد الغضب” يحقق انتشاراً أسرع وعوائد أكبر، فتحول بعض المنصات إلى ساحاتٍ للصراخ والتخوين بدلاً من الحوار والنقاش المسؤول. والنتيجة أن الأجيال الجديدة أصبحت تتعرض يومياً لكمٍّ هائل من الاستقطاب النفسي والإعلامي، ما يهدد التعايش والاستقرار ويزيد من حالة القلق والتشكيك داخل المجتمعات.

بناء الوعي

 

لكن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم بالمنع فقط، بل ببناء الوعي. فالحكومات مطالبة اليوم بالاستثمار في التربية الإعلامية والرقمية، وتعليم مهارات التفكير النقدي منذ المراحل الدراسية الأولى، إضافة إلى دعم إعلام مهني قادر على المنافسة بلغة عصرية ومؤثرة. كما أن تطوير التشريعات لمواجهة حملات التضليل وخطاب الكراهية أصبح ضرورة لحماية السلم المجتمعي.

أما الأفراد فعليهم إدراك أن إعادة نشر الكراهية أو الشائعات تجعلهم جزءاً من المشكلة حتى من دون قصد. فالمسؤولية الفردية في التحقق من المعلومات واحترام الاختلاف أصبحت عنصراً أساسياً في حماية المجتمعات.

ويبقى الأمل الحقيقي في الأجيال القادمة، إذا نجحنا في بناء جيلٍ يؤمن بالحوار أكثر من الصدام وبالإنجاز أكثر من الكراهية، ويدرك أن قوة الدول لا تُبنى بالصراخ والانقسام بل بالوعي والتماسك والتعايش. فالحروب الحديثة لا تبدأ دائماً بالسلاح، بل أحياناً بكلمة، وقد يكون إنقاذ المستقبل مرهوناً بقدرتنا على إعادة الاعتبار الى العقل وسط هذا الضجيج العالمي.