تبنى مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أمس، في فيينا قراراً غربياً يدعو إيران لتقديم معلومات فورية بشأن مخزونها من اليورانيوم المخصب، والسماح للمفتشين بالوصول إليه وإلى منشآتها النووية كافة.

ويُلزم القرار طهران أيضاً بمنح الوكالة التابعة للأمم المتحدة «كل ما يلزم من صلاحيات» للتحقق مما تصرح به على الأرض، وذلك وفقاً للنص الذي قدمته فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة. وأكدت الدول أن هذين الإجراءين «أساسيان وملحّان» من أجل «ضمان التحقق من عدم تحويل المواد النووية» عن أغراضها المعلن عنها.

ويلف الغموض مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب عند نسبة 60 %، الذي يتجاوز 400 كيلوغرام، والذي تمكن مفتشو الوكالة الدولية من معاينته للمرة الأخيرة في 10 يونيو 2025.

وفي تقرير صدر قبيل الاجتماع، اعتبرت الوكالة أن رفض إيران السماح للمفتشين بالوصول إلى مواقعها النووية يثير «مخاوف تتعلق بالانتشار النووي».

ويمثل قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحولاً نوعياً يضع الملف النووي الإيراني أمام واحدة من أعقد المراحل منذ سنوات، حيث جاء مدفوعاً برغبة غربية تقودها الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية لفرض واقع جديد من الشفافية، إذ يلزم طهران بالإعلان الشامل والدقيق عن كامل مخزونها المتبقي من اليورانيوم المخصب بمختلف مستوياته وأشكاله الكيميائية، فضلاً عن تقديم معلومات محدثة بشأن تصاميم منشآتها النووية، ومنح المفتشين الدوليين صلاحيات وصول ميداني واسعة للتحقق من صحة هذه البيانات.

هذا التحرك التقني سبقته تقارير المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، التي تحدثت عن فجوات مقلقة في المراقبة، وهي فجوات تبررها إيران بأنها ناتجة عن تداعيات الضربات العسكرية المتبادلة التي تعرضت لها منشآتها العام الماضي.

التصويت داخل المجلس، مع تأييد إحدى وعشرين دولة مقابل معارضة ثلاث دول وامتناع عشر، يعكس خريطة الانقسام السياسي الدولي بوضوح، حيث حظي القرار بأغلبية ساحقة.

القرار يحمل دلالات سياسية تتجاوز الأبعاد التقنية للملف النووي، إذ يتشابك توقيته بشكل معقد مع المشهد الإقليمي، فهو يصدر في وقت تتصاعد الجهود والمحادثات غير المباشرة الرامية إلى تمديد اتفاقيات وقف إطلاق النار وتثبيت الاستقرار في المنطقة.

وثمة تفسيران للتحرك الغربي؛ الأول يرى في القرار محاولة لفرملة المسارات الدبلوماسية وإعادة صياغة شروط التفاوض، بينما يرى التفسير الآخر أن واشنطن وحلفاءها يسعون إلى استخدام القرار أداة ضغط قصوى لانتزاع تنازلات جوهرية من طهران قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات الشاملة.

ويضع هذا التطور المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة تتأرجح بين التصعيد العكسي من جانب إيران عبر تقليص إضافي لعمليات التفتيش أو رفع مستويات التخصيب في منشآت أكثر تحصيناً، وبين خيار الدبلوماسية المشروطة التي تعتمد على فتح قنوات خلفية لتقديم إعلانات مجتزأة تمتص الضغط المباشر، أو البقاء في حالة الجمود الاستراتيجي، حيث يلوح الغرب بالعقوبات، مع احتمالات معركة حامية الوطيس في مجلس الأمن الدولي، ما يبقي الأزمة معلقة على حافة الهاوية وقابلة للانفجار مع أي احتكاك ميداني جديد.