تصاعدت حدة التوتر بين إيران والولايات المتحدة اليوم الأربعاء على أكثر من جبهة، بعدما تبنى مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قراراً يدعو طهران إلى تقديم معلومات إضافية بشأن برنامجها النووي وتعزيز تعاونها مع المفتشين الدوليين، في خطوة اعتبرتها إيران “استفزازية” وذات نتائج عكسية. 

وجاء ذلك بالتزامن مع تبادل جديد للهجمات بين الجانبين، وتهديدات أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد طهران بإعلانه عن “هجوم قوي” مرتقب، ما يضع وقف إطلاق النار الهش والمفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب الدائرة في الشرق الأوسط أمام اختبار جديد، وسط دعوات دولية إلى ضبط النفس ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد. 

 

وبحسب ما أكد سفير إيران لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني أمام مجلس الأمن، فإنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق مستدام لإنهاء الحرب من خلال التهديدات والترهيب واستخدام القوة، وحث الولايات المتحدة على الامتناع عن التهديدات مثل تلك التي أطلقها ترامب اليوم.

 

وبشان قرار مجلس الوكالة الذرية، قال الممثل الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة في فيينا رضا نجفي اليوم إن القرار “يؤدي إلى نتائج عكسية في السياق الراهن”.

وتبنى مجلس محافظي الوكالة الذرية اليوم في فيينا قرارا يدعو إيران لتقديم كافة المعلومات بشأن “مخزونها من المواد النووية” وتصميم منشآتها.

وأورد الدبلوماسي أن القرار “يضفي مزيدا من التعقيد على وضع هش أصلا ووقف هش لإطلاق النار ومفاوضات لم تنته بين إيران والولايات المتحدة”.

وأضاف: “لقد حذرنا من تداعيات عمل غير مشروع كهذا من جانب الولايات المتحدة ومن يدعمها”. 

 

مشهد من العاصمة الإيرانية طهران (أ ف ب)

مشهد من العاصمة الإيرانية طهران (أ ف ب)

 

تفاصيل القرار

ويُلزم القرار طهران أيضا بمنح الوكالة التابعة للأمم المتحدة “كل ما يلزم من صلاحيات” للتحقق مما تصرح به على الأرض، وذلك وفقا للنص الذي قدمته فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، واطلعت عليه وكالة فرانس برس.

وأكدت الدول أن هذين الإجراءين “أساسيان وملحّان” من أجل “ضمان التحقق من عدم تحويل المواد النووية” عن أغراضها المعلن عنها.

ووافق مجلس المحافظين المؤلف من 35 دولة، على القرار بأغلبية 21 صوتا، وفقا لدبلوماسيين. وصوّتت ثلاث دول ضده، فيما امتنعت عشر دول عن التصويت، بينما كانت دولة واحدة غير مؤهلة للتصويت، على قولهم.

ويلفّ الغموض مصير مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب، الذي يتجاوز 400 كيلوغرام، والذي تمكن مفتشو الوكالة الدولية من معاينته للمرة الأخيرة في 10 حزيران/يونيو 2025.

وعلّقت إيران تعاونها مع الوكالة منذ الضربات الإسرائيلية والأميركية الأولى على منشآتها في يونيو/حزيران 2025.

وقالت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة في فيينا، في منشور على إكس، إنه “أمر “سخيف” أن تقدّم الولايات المتحدة بوصفها “دولة معتدية” هذا القرار “الاستفزازي غير المبرر”.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر، اعتمدت الوكالة قرارا يدعو طهران إلى التعاون. وأعربت في تقريرها الأخير عن قلقها إزاء عدم تمكّنها من الوصول إلى المواقع.

وكانت طهران منخرطة في محادثات مع واشنطن بشأن برنامجها النووي عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما جديدا على إيران في 28 شباط/فبراير، والذي أدى إلى اندلاع حرب واسعة في الشرق الأوسط.

ولا يزال حجم الأضرار الفعلي الذي لحق بالمنشآت النووية غير معروف، فيما تعزو إيران رفضها السماح بالوصول إلى هذه المواقع الى دواع أمنية.

وتشتبه دول غربية، على رأسها الولايات المتحدة، إلى جانب إسرائيل، في أن إيران تسعى لامتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفيه طهران. 

بعد جولة الهجمات المتبادلة… إيران: أميركا وإسرائيل تقوّضان العملية الدبلوماسية


أوضح مسؤول أميركي أن نحو 20 هدفاً إيرانياً جرى قصفها.

 

ترامب يهدد
ومن بين أبرز التطورات اليوم، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة ستشن هجوما “قويا للغاية” على إيران إذا تعذر التوصل إلى اتفاق سلام.

 

وذكر ترامب للصحافيين في البيت الأبيض: “سنهاجمهم، وسيكون ذلك بقوة شديدة”، مشيرا إلى إسقاط إيران طائرة هليكوبتر من طراز أباتشي في مضيق هرمز.

 

وأكد الرئيس من جديد اليوم أن إيران ستتعرض لهجوم.

وأضاف ترامب بشأن المفاوضات مع إيران “نريد اتفاقا ذا معنى، نريد اتفاقا يمكن إنجاحه”.

وذكر ترامب أن إيران وافقت بالفعل على عدم امتلاك سلاح نووي، لكن الاتفاق لا يزال بحاجة إلى التوقيع.

 

وفي وقت سابق اليوم، اعتبر ترامب أنّ إيران استغرقت وقتا طويلا في التفاوض على اتفاق بشأن إنهاء الحرب في الشرق الأوسط، متوعدا إياها بـ”دفع الثمن” بسبب ذلك، وذلك بعد تبادل الطرفين الهجمات في منطقة الخليج، في انتهاك جديد لوقف النار.

وهاجمت طهران صباح اليوم بالصواريخ والمسيّرات قواعد أميركية في الأردن والبحرين والكويت، قائلة إنها رد على ضربات أميركية طالت أراضيها بعدما اتهمتها واشنطن بإسقاط مروحية عسكرية فوق مضيق هرمز.

وحذّرت وزارة الخارجية الإيرانية من أن جيرانها في الخليج يتحملون “مسؤولية قانونية وأخلاقية” لمنع الهجمات عليها، معتبرة أن الضربات الأخيرة لواشنطن ألحقت “ضررت” في الجهود الدبلوماسية الجارية لإنهاء الحرب التي اندلعت أواخر شباط/فبراير.

وكتب ترامب في منشور على منصته تروث سوشال: “لقد مات مُستبد الشرق الأوسط! لقد تأخروا كثيرا في التفاوض على اتفاق كان سيصب في مصلحتهم، والآن عليهم دفع الثمن!”، معتبرا أن “الجيش الإيراني في حالة فوضى عارمة. معظمه، كالبحرية والقوات الجوية، لم يعد له وجود… لقد هُزموا هزيمة نكراء”.

ويناقض إعلان ترامب تصريحات أدلى بها للصحافيين الثلاثاء، حين قال إن المفاوضات بشأن تسوية دائمة لإنهاء الحرب في “مراحلها الأخيرة”، ويمكن إنجازها في “يومين أو ثلاثة”.

وفي طهران، أكد وزير الخارجية عباس عراقجي اليوم أن القوات المسلحة الإيرانية لن تترك أي هجمات أو تهديدات من دون رد، بعدما كان قد شدد الثلاثاء على أنّ القوات الأجنبية المنتشرة في المنطقة “معرضة دائما” لخطر الوقوع في مرمى تبادل النيران.

ومثّلت هذه التطورات، والتي تأتي عشية انطلاق كأس العالم لكرة القدم التي تستضيفها هذا العام الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، ويشارك فيها المنتخب الإيراني، تصعيدا إضافيا وضع وقف إطلاق النار المعلن أمام اختبار صعب، ما استدعى دعوات دولية لضبط النفس.

وأعربت بكين عن “قلقها العميق” إزاء الضربات الأميركية والإيرانية، وحثّت جميع الأطراف على “وقف التصعيد”، بينما دعت روسيا إلى “ضبط النفس”.

وارتفعت أسعار النفط الخام بنسبة واحد في المئة الأربعاء مع تراجع احتمال التوصل لاتفاق، بعدما كانت خسرت نحو خمسة في المئة في وقت سابق من اليوم ذاته بفعل التفاؤل السابق بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق.

هجمات متبادلة 
وفجر اليوم، أعلن الحرس الثوري أنه استهدف قواعد أميركية، بينها مقر الأسطول الخامس الأميركي في البحرين، وقاعدة علي السالم في الكويت، وقاعدة الأزرق في الأردن (المعروفة باسم موفق السلطي)، ردا على ضربات أميركية إثر إسقاط مروحية أباتشي الاثنين.

وقال الحرس إنه دمّر 21 هدفا، بما في ذلك 4 أهداف بينها حظائر لطائرات “إف-35” في قاعدة الأزرق.

من جهته، أعلن الجيش الأردني أنه أسقط خمسة صواريخ أطلقت من إيران، بينما أعلنت البحرين أنها اعترضت “عددا من الهجمات الجوية الإيرانية”، وسمع في المنامة دوي انفجارات في الصباح الباكر، في حين أعلن الجيش الكويتي التصدي لـ”أهداف جوية معادية”.

وأتى ذلك بعدما نفّذ الجيش الأميركي سلسلة ضربات جوية ضد إيران، قال ترامب إنها تأتي ردا على إسقاط الجمهورية الإسلامية للمروحية.

وأفادت القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” في بيان عن استهداف “أنظمة دفاع جوي إيرانية ومحطات تحكم أرضي ومواقع رادارات للمراقبة بالقرب من مضيق هرمز، مستخدمة ذخائر دقيقة أطلقتها طائرات مقاتلة تابعة للقوات الجوية والبحرية الأميركية”.

وأشارت وكالتا مهر وفارس إلى سماع دوي انفجارات في جزيرة قشم ومدينة بندر عباس على الساحل الجنوبي لإيران.

وذكر موقع أكسيوس أن القوات الأميركية هاجمت منظومات دفاع جوي إيرانية وأنظمة رادار حول المضيق الحيوي لإمدادات النفط والغاز، والمغلق عمليا من قبل إيران منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي عليها في 28 شباط/فبراير.

 

مروحية أميركية من طراز أباتشي (أرشيفية)

مروحية أميركية من طراز أباتشي (أرشيفية)

 

اختبارات لوقف إطلاق النار 
وواجه إطلاق النار المعلن منذ الثامن من نيسان/أبريل في إطار وساطة تقودها باكستان، اختبارات عدة، تزايدت في الأيام القليلة الماضية.

وكان آخرها خلال نهاية الأسبوع بعدما أطلقت طهران صواريخ على الدولة العبرية ردا على ضربة شنّتها في الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله الحليف لطهران، ردت عليها إسرائيل بقصف أهداف داخل الجمهورية الإسلامية.

وتتمسّك إيران بأن يكون وقف الحرب في لبنان بين إسرائيل وحزب الله جزءا من التفاهم مع واشنطن، بينما تريد الدولة العبرية فصل المسارين، وتتمسك بمواصلة عملياتها العسكرية ضد الحزب.

وأعلن في لبنان وقف لإطلاق النار في 17 نيسان/أبريل، لكنه لم يغيّر الكثير على الأرض، مع استمرار الغارات الإسرائيلية خصوصا في جنوب لبنان.

وأدّت ضربات اليوم إلى مقتل 12 شخصا على الأقلّ، وفق ما أفاد مصدر طبي لوكالة فرانس برس، في حين أفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية عن غارات واسعة النطاق على عدّة قرى.

واستهدفت غارة سيارة في وسط مدينة صيدا، كبرى مدن جنوب لبنان، وفق الوكالة التي أشارت الى أن قوّة من الجيش الإسرائيلي احتجزت عضو بلدية في قرية حدودية وعاملا من البلدية.

وفي حصيلة إجمالية لوزارة الصحة اللبنانية، أوقعت الحرب التي اندلعت في لبنان في الثاني من آذار/مارس، 3666 قتيلا على الأقل.

وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك اليوم، إنه سيرسل بعثة إلى لبنان للتحقق من انتهاكات محتملة لحقوق الإنسان منذ اندلاع الحرب في آذار/مارس.

وأوضح للصحافيين “لقد اتفقتُ مع حكومة لبنان على إجراء بعثة تقييم مستقلة وحيادية في البلاد”.

وأوقعت الحرب 3666 قتيلا على الأقل في لبنان منذ الثاني من آذار/مارس، بحسب وزارة الصحة اللبنانية، بينما نفذت إسرائيل عمليات نسف وتدمير في العديد من القرى التي تحتلها في الجنوب.