شيّع آلاف المصريين في محافظة البحيرة أمس الأربعاء، الفنان عبد العزيز مخيون، الذي توفي بعد مسيرة فنية امتدت لعقود. وقد استقبلت عزبة مخيون التابعة لقرية زكي أفندي في مركز أبو حمص المعزين، الذين توافدوا للمشاركة في مراسم الوداع.

وشارك في العزاء نقيب المهن التمثيلية أشرف زكي، إلى جانب عدد من الفنانين بينهم فتوح أحمد ومنير مكرم، فيما نعت وزارة الثقافة المصرية الراحل، مؤكدة أنه ترك بصمة بارزة في الحياة الثقافية والفنية المصرية والعربية من خلال أعماله المتعددة.

وكان نقيب المهن التمثيلية قد أعلن وفاة مخيون عن عمر ناهز 80 عامًا، بعد أزمة صحية استدعت نقله إلى العناية المركزة في أحد المستشفيات الأحد الماضي.

فنان “كسب نفسه”

ورغم حضوره الواسع على الشاشة، ظل مخيون يرى نفسه ابن البيئة التي نشأ فيها في ريف البحيرة. وخلال ظهوره في بودكاست “كيف الحال” على التلفزيون العربي في سبتمبر/ أيلول الماضي، تحدث مطولاً عن تأثير تلك النشأة في تكوين شخصيته ومسيرته الفنية.

وقال إنه وُلد في عزبة مخيون داخل أسرة تنتمي إلى قبيلة الجعافرة العربية، ونشأ في منزل ضم مكتبة كبيرة، وسط أجواء جمعت بين الشعر والفقه والسياسة والثقافة، وهو ما أسهم في تشكيل وعيه منذ سنواته الأولى.

واعتبر أن اعتماده على الثقافة والموهبة كان رهانًا صحيحًا رغم كلفته المادية، مردفًا أنه ربما خسر فرصًا مهنية ومكاسب مالية لأنه رفض التعامل مع الفن بمنطق السوق التجاري، لكنه في المقابل “كسب نفسه” وجمهوره، بحسب تعبيره.

وتحدث الراحل بصراحة عن الصعوبات التي واجهها بعد انتقاله إلى القاهرة لدراسة الفنون المسرحية، مشيرًا إلى أن القيم التي حملها من بيئته الريفية جعلت اندماجه في الوسط الفني الاحترافي أكثر تعقيدًا، لكنه لم يندم على تمسكه بمبادئه.

ومن بين أكثر الأفكار التي كررها خلال الحوار، إيمانه بأن الفنان صاحب رسالة قبل أن يكون مجرد أداة للترفيه، لافتًا إلى أنه كان يتعامل بحذر مع كل كلمة أو دور يقدمه لأنه كان يرى أن الفن مسؤولية تجاه المجتمع والجمهور.

كما حذر من الغرور في الوسط الفني، حيث وصفه بأنه أكبر عدو للممثل لأنه يقتل المصداقية، وهي العنصر الأهم في العلاقة بين الفنان والمتفرج.

عبد العزيز مخيون وسؤال الانتماء

وكشف مخيون أنه لم يشعر يومًا بانتماء كامل إلى صخب القاهرة، وهو ما دفعه عام 2010 إلى العودة للعيش في قريته بالبحيرة بعد سنوات طويلة قضاها في العاصمة، بحثًا عن الهدوء والارتباط بالطبيعة والناس البسطاء.

لكنه أقرّ في الوقت نفسه بأن ابتعاده عن أصدقائه وزملائه وصعوبة التنقل دفعاه لاحقًا إلى التفكير في العودة مجددًا إلى القاهرة.

وفي حديثه عن الألم والخسارات الشخصية، استعاد عبارة الشاعر اليمني عبد الله البردوني “من بطون المآسي يولد الأمل”، مؤكدًا أنها كانت من الأفكار التي ساعدته على مواجهة المحطات الصعبة في حياته.

ورأى الراحل أن الاحتراف الفني يحمل قدرًا كبيرًا من القسوة والضغط، مضيفًا أن ظروف العمل الطويلة كانت من أكثر الأمور التي أضعفت شغف الفنانين مع مرور الوقت، رغم استمرار حبهم للمهنة.

ومن الشخصيات التي تركت أثرًا خاصًا فيه، تحدث الفنان عبد العزيز مخيون عن الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي جسد شخصيته في أكثر من عمل فني، قائلاً إن دراسة حياة عبد الوهاب علمته الانضباط والاهتمام بالصحة وتنظيم الوقت، وهي صفات حاول أن يكتسبها من خلال التعمق في شخصيته.

وبرحيل عبد العزيز مخيون، تفقد الساحة الفنية المصرية والعربية واحدًا من أبرز ممثلي جيله، فيما تبقى كلماته عن الثقافة والهوية والحرية والفن شاهدة على مسيرة امتدت لعقود داخل المسرح والسينما والتلفزيون.