في إطار زيارته الرسولية إلى إسبانيا، التقى قداسة البابا لاوُن الرابع عشر اليوم الخميس الأساقفة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات والإكليريكيين والعاملين الرعويين، وذلك في كاتدرائية القديسة حنة، في لاس بالماس دي غران كناريا.

وجه قداسة البابا لاوُن الرابع عشر كلمة للمناسبة أعرب في مستهلها عن سروره الكبير للقائهم شاكرًا الجميع على حفاوة الاستقبال وعلى الشهادات التي تخللها اللقاء مشيرا إلى أنها تُظهر كنيسة حية يتردد في قلبها صدى “أفراح وآمال، وأحزان وضيقات أناس زمننا، ولاسيما الفقراء وجميع المتألمين”، في إشارة إلى ما جاء في الدستور الرعوي “فرح ورجاء”. وأضاف أن كل واحد منا نال مواهب وخِدمات مختلفة لبنيان جسد المسيح، في إشارة إلى القراءة التي تم الإصغاء إليها من رسالة القديس بولس إلى أهل أفسس. ودعا البابا لاوُن الرابع عشر في كلمته إلى التأمل معا في موقفين في حياتنا المسيحية ينبغي أن نضعهما نصب أعيننا كي نكون “بنّائين حكماء” في بناء حضارة المحبة. وإذ أشار إلى أن هذه الأراضي يحيط بها البحر، أضاف البابا لاوُن الرابع عشر يُقال إن صورة البحر – التي تذكّر بالوطن والبيت – تبقى راسخة في عيون سكان الجزر، وأنهم يفتقدونها كثيرا حين يكونون بعيدين. وهذا الشعور يعبّر عن حنين سليم إلى السماء والبحر الممتدَّين في الأفق بدون حدود، وإلى قلب مرهف مستعد لأن يودّع بدمعةٍ مَن يرحل، ويستقبل بذراعين مفتوحتين مَن يصل. وبهذا المعنى، قد يكون البحر أحيانًا مرادفاً للمسافة والانفصال، وللتحدي والطريق الذي ينبغي اجتيازه. وإذ توقف عند كلمات القديس أغسطينس في إشارة إلى أن لا أحد يستطيع أن يجتاز بحر هذا العالم إن لم يحمله صليب المسيح، تابع البابا لاوُن الرابع عشر كلمته مسلطا الضوء على الموقف الأول الذي يقودنا لنُبحر في مياه الحياة ونبلغ الهدف، الوطن السماوي: أن نعانق صليب المسيح.

أشار البابا لاوُن الرابع عشر في كلمته إلى أن القديسين، وعندما واجهوا عواصف الحياة، وثقوا بيسوع وعانقوا صليبه وهدّأوا هكذا أمواج الخوف (راجع متى ٨، ٢٣ – ٢٧). وذكّر بالمكرَّم أنطونيو فيسينتي غونزاليس، الكاهن الأبرشي، مشيرا إلى أن حياته التي حوّلتها النعمة الإلهية تحثنا على أن نحمل صليب المسيح ونتبعه (راجع متى ١٦، ٢٤)، ونكون شهودًا أمناء للإنجيل. وتابع البابا لاوُن الرابع عشر قائلاً إن “الخط التوجيهي” الأول هو معانقة صليب المسيح، وأشار إلى أنهم يقومون بذلك يوميًا مثل سمعان القيرواني من خلال مرافقة العديد من الإخوة والأخوات الذين صلبتهم مآسي الحياة، ومساعدتهم في حمل أعبائهم، وشكرهم على هذا العمل السخي في المحبة والرحمة. وسلط الأب الأقدس الضوء من ثم على الموقف الثاني وهو تنمية روحانية افخارستية، وتوقف عند تقليد عريق في هذه الكاتدرائية الجميلة مشيرا إلى نثر بتلات الزهور أمام القربان الأقدس يوم عيد الصعود، علامة للخيرات الروحية والسماوية التي يفيضها الرب بصعوده إلى السماء. وأشار إلى أن فِعل التقوى هذا من قِبل أجيال كثيرة على مر الزمن يحمل معنى عميقا، فهدف مسيرتنا هو اللقاء مع المسيح. وتابع البابا لاوُن الرابع عشر كلمته قائلا لنجعل من حياتنا جوابًا على رغبة يسوع “ليكونوا بِأَجمَعِهم واحِدًا … لِيُؤمِنَ العالَمُ” (يوحنا ١٧، ١٢).

كما وأشار البابا لاوُن الرابع عشر إلى طريقة ملموسة للتعبير عن روحانية الشركة هذه، وهي التضامن المسيحي مسلطا الضوء في هذا الصدد على ما جاء في الرسالة العامة “الله محبة، ١٤” لبندكتس السادس عشر، وأضاف يقول في كلمته أشجعكم على الاستمرار في تقديم المحبة للجميع، تلك المحبة التي نلتموها من الرب (راجع ١ يوحنا ٤، ١٩)، محبة تصبح غذاء في الاستقبال والإصغاء والقُرب والاهتمام بالأشد ضعفًا:”لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فسَقَيتُموني، وكُنتُ غَريبًا فآويتُموني، وعُريانًا فَكسَوتُموني، ومَريضًا فعُدتُموني، وسَجينًا فجِئتُم إِلَيَّ” (متى ٢٥، ٣٥ – ٣٦).

وتابع البابا لاوُن الرابع عشر كلمته مشجعا، من خلال اتباع خطى القداسة التي سار عليها رجال ونساء كثيرون قبلهم، على المضي قدمًا متجذرين في المسيح، لمواصلة الإبحار بشجاعة في هذا الزمن الجديد من التاريخ. وحثهم عندما يواجهون الصعاب على أن يرفعوا عيونهم ويطلبوا من الروح القدس نعمة أن يعيشوا متحدين في الإيمان والرجاء والمحبة، فضائل هي “كثلاثة نجوم تلمع في سماء حياتنا الروحية لتقودنا نحو الله”.

وفي ختام كلمته خلال لقاء الأساقفة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات والإكليريكيين والعاملين الرعويين اليوم الخميس وذلك في كاتدرائية القديسة حنة في لاس بالماس دي غران كناريا، قال البابا لاوُن الرابع عشر لترشدنا مريم العذراء، نجمة البحر، في مسيرتنا، حتى نبلغ الميناء الآمن للقاء النهائي بابنها يسوع المسيح.