رندا شعث والسفير الفرنسي في مصر إريك شوفالييه في المعرض (صفحة المركز الفرنسي على فيسبوك)
تبدو صور المدن الفلسطينية المعروضة حالياً في المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة، أقرب إلى محاولة لاستعادة زمن كامل، أو بالأحرى طريقة في رؤية الحياة قبل أن تطغى عليها صور الخراب. التقطت هذه المشاهد المصورة المصرية الفلسطينية رندا شعث بين عامي 1994 و2002، وتعرضها حتى الثامن عشر من الشهر الجاري، تحت عنوان “نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً”، وهو مقطع من قصيدة لمحمود درويش مكتوبة على جدار قاعة العرض. يمكن التعامل هنا مع كلمات الشاعر الفلسطيني كمدخل بصري ونصّي في آن، يحدد زاوية النظر إلى الصور المعروضة، الحياة كخيار، أو حتى مقاومة.
تضعنا الصور أمام فلسطين أُخرى، لا تمر عبر عدسات الصحافة الإخبارية ولا عبر أرشيف الحروب، هي مجرد تفاصيل يومية تبدو عادية تماماً. في هذه الصور نشاهد رجالاً يجلسون في مقهى، وفتيات بالزي المدرسي، وأطفالاً يمرحون في الشوارع، ونساء يجهزن الطعام في البيت. ثمة مشاهد أُخرى من داخل مطاعم أو محال حلاقة، وحفلات تخرج، وبث تلفزيوني داخل استوديو.
الصور جميعها بالأبيض والأسود، وهو اختيار جمالي وزمني على ما يبدو، فغياب اللون يجرّد المشهد من زخرفته، ويعيد تركيز العين على العلاقات بين الأشخاص، وعلى ملامحهم، وعلى تفاصيل المكان. في الصور، يفرض الضوء والظل إيقاعهما، فتتحول لحظات عابرة إلى مشاهد مشحونة بالدلالة.
صورٌ بالأبيض والأسود للمدن الفلسطينية بين 1994 و2002
تمتد المشاهد الفوتوغرافية جغرافياً بين غزة ونابلس والخليل ورام الله، وتقدمها كفضاءات معيشة، مسكونة بالحياة. في إحدى الصور، تظهر عمارة سكنية من ستة طوابق، وإلى جوارها إعلان عن فتح باب الحجز لشراء الشقق. تحمل العمارة اسم “برج الأمل”، وهو تفصيل يبدو عابراً للوهلة الأولى، لكنه يكتسب معنى إضافياً في سياق المعرض. فالأمل هنا يُعرض للبيع، ويُعاش في تفاصيل يومية.
يمكن قراءة المعرض كإعادة تحرير للأرشيف، فالصور التي ربما التُقطت في سياق توثيقي أو صحافي، تُعاد هنا ضمن سياق فني، يغيّر دلالتها. أصبحت الصورة جزءاً من سردية بصرية عن مجتمع، وعن زمن، وعن إمكانية الحياة داخل شروط صعبة. تظهر هذه السردية بوضوح في تنوع المشاهد، من الداخل إلى الخارج، ومن الخاص إلى العام، ومن البيت إلى الشارع، ومن الفرد إلى الجماعة. هناك نوع من التوازن بين الحميمي والعام، يجعل من المعرض أقرب إلى نسيج متكامل.
لا يخلو المعرض من بعد سياسي، لكنه بعد غير مباشر، فالسياسة هنا تظهر في الإصرار على الحياة نفسها. كما أن اختيار عنوان المعرض من قصيدة محمود درويش يمثل مفتاح قراءة لهذه الصور. فالجملة “نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً” تتحول إلى عدسة إضافية نرى من خلالها الصور، أو ربما إلى تعليق مستمر عليها. النص الشعري المعلق على جدار القاعة، يمنح الصور امتداداً لغوياً، فيما تمنح الصور للنص جسداً ملموساً، فيتقاطع الشعر مع الفوتوغرافيا، كوسيطين يتجاوران في إنتاج المعنى.
