14 يونيو 2026 13:37 مساء
|
آخر تحديث:
14 يونيو 14:28 2026
الخلاصة
لطيفة الحاج: الكتابة بالإنجليزية لا تضمن العالمية؛ النجاح يبدأ محلياً ويحتاج نشرًا وتسويقًا أجنبيين مع صون الهوية العربية
تشهد الساحة الأدبية العربية في السنوات الأخيرة اتجاه شريحة من الكتاب خصوصاً من فئة الشباب إلى تأليف أعمالهم الإبداعية مباشرة باللغة الإنجليزية، متجاوزين بذلك وسيط الترجمة الذي كان لعقود طويلة الجسر الأساسي نحو القارئ العالمي، هذه الظاهرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الكبرى التي فرضتها العولمة، سواء على مستوى أنماط التعليم أو طبيعة التلقي الثقافي.
ترتبط هذه الظاهرة بدوافع متعددة، من بينها السعي إلى الانتشار الدولي، والحصول على فرص أوسع في النشر والجوائز، فضلاً عن التأثر بالمحتوى الثقافي العالمي من أدب وسينما ومنصات رقمية، ترصد «الخليج» في هذا الحوار مع الكاتبة والمترجمة لطيفة الحاج، أبعاد هذه الظاهرة وعلاقة النص الأدبي بجذوره الثقافية، وما إذا كانت الكتابة بلغة غير اللغة الأم تمثل انفتاحاً مشروعاً يثري التجربة، أم تحمل في طياتها شكلاً من أشكال القطيعة أو الاغتراب اللغوي.
توضح لطيفة الحاج، أن تجربة الكتابة باللغة الإنجليزية غالباً ارتبطت بفئة من الكتاب قد تلقت تعليمها بهذه اللغة، ما يجعل اختيارها للكتابة بلغة غير العربية طبيعياً ضمن سياقها المعرفي والتكويني، وأكدت أن المشهد الأدبي العربي لا يزال يحتفظ بحيوية واضحة في ما يتعلق بالكتابة باللغة العربية، سواء من حيث الإنتاج أو التلقي، مشيرةً إلى أن هناك عدداً كبيراً من الشباب الذين يكتبون بالعربية ويقرؤون بها، ويتمسكون بها باعتبارها لغة أساسية للتعبير عن ذواتهم وتجاربهم.
*حراك
ترى لطيفة الحاج أن العولمة، رغم ما تفرضه من تأثيرات ثقافية ولغوية، لا تعمل في اتجاه واحد، بل تقابلها مبادرات محلية ومؤسسية تسعى إلى تعزيز حضور اللغة العربية وصون الهوية الثقافية من التآكل أو الذوبان، وبينت أن الحديث عن انطماس الهوية أو تراجع اللغة الأم ينبغي أن يقارب بحذر، في ظل وجود حراك ثقافي عربي مستمر يعمل على إعادة الاعتبار للغة العربية في مجالات الإبداع والنشر والتعليم.
وفي قراءتها للمقولة الشائعة بأن الكتابة باللغة الإنجليزية تمنح الكاتب العربي فرصة أكبر للوصول إلى العالمية، أوضحت لطيفة الحاج أن هذا الطرح، رغم وجاهته الظاهرية، لا يعكس بالضرورة واقع صناعة النشر، وأشارت إلى أن الوصول الحقيقي إلى القارئ الأجنبي لا يتحقق فقط عبر اختيار اللغة، بل يتطلب النشر من خلال دور نشر أجنبية قادرة على توزيع العمل وتسويقه في الأسواق العالمية. وأكدت أن معيار النجاح الأدبي لا ينبغي أن يختزل في الانتشار الخارجي، بل يبدأ أساساً من الحضور المحلي، معتبرة أن الكاتب الذي لا يجد صدى في بيئته الثقافية الأصلية يصعب أن يحقق نجاحاً حقيقياً على المستوى العالمي.
وفي هذا الإطار، وصفت لطيفة الحاج فكرة الكتابة بلغة أجنبية بدافع الوصول إلى العالمية بأنها قد تتحول في بعض الأحيان إلى هاجس تسويقي أكثر من كونها خياراً أدبياً أصيلاً، خاصة إذا لم تكن نابعة من تجربة لغوية حقيقية أو تمكن فعلي من أدوات اللغة المختارة. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى أصالة النصوص المنتجة في هذا السياق، ومدى قدرتها على التعبير عن تجارب إنسانية عميقة من دون فقدان خصوصيتها الثقافية.
أما في ما يتعلق بالعلاقة بين اللغة والبصمة السردية، فقد أوضحت لطيفة الحاج أن الأمر يختلف من كاتب إلى آخر، مشيرة إلى أن بعض الكتاب قد يتمكنون من الحفاظ على روحهم وهويتهم حتى عند الكتابة بلغة غير لغتهم الأم، خاصة إذا كانوا يمتلكون قدرة حقيقية على التفكير والإبداع ضمن تلك اللغة. لكنها في المقابل استحضرت تجربتها الشخصية، مؤكدةً أن محاولاتها في الكتابة باللغة الإنجليزية ظلت مرتبطة بالتفكير بالعربية أولاً، ثم ترجمة الأفكار، ما جعل النص يحتفظ بروحه العربية رغم اختلاف اللغة.
*بصمة
تشير لطيفة الحاج إلى نماذج من كتاب عرب نجحوا في الكتابة باللغة الإنجليزية وتمكنوا من أدواتها، مثل الروائي الليبي هشام مطر، الذي نشأ في بيئة لغوية إنجليزية منذ سن مبكرة، ما أتاح له التعبير بسلاسة وعمق ضمن هذه اللغة. غير أنها أكدت في الوقت ذاته صعوبة الجزم بما إذا كانت اللغة تؤثر بشكل حتمي في البصمة السردية، معتبرة أن هذه المسألة تظل مفتوحة على احتمالات متعددة ترتبط بتجربة كل كاتب على حدة.
وفي تناولها لفكرة الكتابة بلغة أجنبية بوصفها محاولة لإعادة تشكيل الهوية الأدبية، ترى لطيفة الحاج أن الكاتب غالباً ما يلجأ إلى اللغة الأقرب إليه والأكثر قدرة على التعبير عن أفكاره ومشاعره. وأكدت أنه من الصعب تصور اختيار لغة بديلة من دون وجود دوافع حقيقية أو ظروف خاصة تفرض هذا الخيار. وأضافت أن بعض الكتّاب الشباب قد يتجهون إلى الكتابة بالإنجليزية تحت تأثير ما يستهلكونه من أعمال أجنبية، سواء في الأدب أو السينما، ما يجعل التجربة في بعض الأحيان أقرب إلى المحاكاة أو التأثر الثقافي، وليس بالضرورة مشروعاً واعياً لإعادة تعريف الهوية.
وفي ختام حديثها، أعربت لطيفة الحاج عن عدم قلقها من احتمال تحول الكتابة باللغة الإنجليزية إلى شكل من أشكال النخبوية اللغوية في المستقبل، مؤكدةً أن الأدب الحقيقي يملك القدرة على العبور إلى العالمية بغض النظر عن اللغة التي كتب بها.
