انتشر في الأشهر الأخيرة فيديو لصهيوني يحاول الاعتداء على معتصمين متضامنين مع فلسطين في ساحة بدولة أوروبية، وفور انتباهه إلى سيارة شرطة قريبة، وكمن قرصَه دبّور بلحظة، تقافزَ كأن أحدهم اعتدى عليه، وبدأ فجأة يتوجّع. الحقيقة أن فيديوهات عديدة كهذه انتشرت في السنوات الأخيرة. وهي تُضحك أكثر مما تُزعج، تثير السخرية أكثر من الغضب. هذا التوجّع هو سلوك سينمائي وإعلامي مزمن لدى المخرج الإسرائيلي نداف لابيد.
ومؤخرًا، انتشر خبرٌ عن استبعاد لابيد من مهرجان سينمائي فرنسي. أو انتشر، في الصحافة الفرنسية، بوصفه مقالات ومقابلات وبيانات تضامنية معه، أي تحليلًا ورأيًا، أكثر مما انتشر بوصفه خبرًا، وذلك بانحياز تام إلى لابيد. بالكاد قرأ أحدنا الخبر حتى انهالت المواد الإعلامية، فلابيد أسرع، وكمن قرصَه دبّور بلحظة، تقافزَ من صحيفة إلى إذاعة. ليصل الموضوع للقارئ رأيًا مسبقًا قبل أن يدركه الخبر.
ما القصة؟ دُعي المخرج الإسرائيلي للمشاركة في مهرجان مارسيليا السينمائي للأفلام الوثائقية (FID) المنعقد في تموز/ يوليو، ليكون عضو لجنة التحكيم. وكان المهرجان أراد تخصيص مساحة لفلسطين فدعا أفلامًا وأصحابها لذلك. علم هؤلاء متأخرًا بحضور لابيد فأخبر عشرةٌ منهم المهرجانَ بقرار انسحابهم إن حضر هو. جرى نقاش بين المهرجان ولابيد وفهم الأخير أن عليه الانسحاب بنفسه. بلمحةٍ امتلأ الإعلام الفرنسي بأنواعه، بلقاءات مع المخرج الإسرائيلي، ومقالات تؤازره. وصل الأمر إلى بيان (“لوموند”، 9 حزيران/ يونيو) لمتضامنين معه من الوسط السينمائي، بعضهم معروف بتضامنه مع القضية الفلسطينية، وشمل البيان توقيع مديرة المهرجان، وللأسف، والدهشة، كان الياس صنبر من الموقّعين، صنبر الذي قال (“ليبراسيون”، 11 حزيران/ يونيو) إن “مقاطعة نداف لابيد تُخطئ الهدف”.
هذا على الأقل ما يتفق عليه عديد الأطراف كتتابع موضوعي للأحداث. لكن الإعلام الفرنسي يصر على تكرار أن ما حصل هو مقاطعة للمخرج المعروف، بحسب هذا الإعلام وبمعاييره الواطئة، بانتقاده لحكومة نتنياهو. قبلها أصدرت مجموعة تأسست العام الماضي في باريس، وتنشط من أجل فلسطين سينمائيًا، هي “فلسطين ستنقذ السينما” بيانًا (مدونة ميديابار، 8 حزيران/ يونيو) توضح فيه أن المقاطعة حق ثقافي، “فالإنتاجات الثقافية لا تتحرك في فراغ سياسي، بل تسهم في تمثيل الدول، وصناعة صورتها الدولية، ونشر رواياتها. ولهذا السبب تحديدًا وُجدت المقاطعة الثقافية”. فالمقاطعة، بخلاف ما روَّج له لابيد والإعلام الفرنسي، لم تكن حقيقةً تبعًا لجنسيته، بل لكون أفلامه ممولة من الحكومة الإسرائيلية، وهي بالتالي جزء أساسي من الصناعة الإعلامية والفنية لنظام إبادة جماعية ارتكبتها وترتكبها في قطاع غزة، بغض النظر عن مضمونها، وهي أفلام تمثل هذه الدولة التي تقودها حكومة ترتكب، كما صرّحت “أمنستي إنترناشونال” في 10 حزيران/ يونيو، “تطهيرًا عرقيًا في الضفة الغربية”، وذلك بـ “محو كل ما هو فلسطيني”.
في أفلامه، الضحية هو لابيد نفسه، فلا فلسطين في أفلامه كما أن لا فلسطيني بالنسبة لديه!
فالفيلم الأخير للابيد، “نعم” (2025)، نال دعمًا من صندوق الفيلم الإسرائيلي المموّل من الدولة، كما عُرض في مهرجان كانّ السينمائي العام الماضي بوصفه إنتاجًا مشتركًا إسرائيليًا، ثم شارك في جوائز أوفير، وهي أبرز الجوائز السينمائية في إسرائيل، كما اختار لابيد المشاركة عدة مرات في مهرجان الفيلم الإسرائيلي بباريس، وهو تظاهرة مدعومة من السفارة الإسرائيلية، وافتتحت دورتها الأخيرة بخطاب ألقاه السفير الإسرائيلي في فرنسا. ضمن هذه العلاقات تتموضع سينما نداف لابيد.
المقاطعة تنطلق إذًا من الهوية المؤسساتية لهذه السينما، ومما تمثّله، مهما بدا المُخرج معارضًا لنظام الحكم. لابيد صاحب أفلام ممولة بشكل صريح ودائم من دولة الاحتلال. يكون، بالتالي، عرضُها أو التعامل مع صاحبها تطبيعًا لا للعلاقة مع دولة الإبادة، فالعلاقات موجودة أوروبيًا، بل تطبيع مع السمة الإبادية لهذه الدولة، وهي سمة مستجدة لإسرائيل بالنسبة لأوروبا. تطبيع بمعنى قبولها بوصفها إبادية. لكني، شخصيًا، أرى أن في لابيد أسبابًا أخرى كافيةً تدعو للمقاطعة، وهي أفلامه. فإن أنجز فيلمًا لاحقًا من دون تمويل إسرائيلي سيبقى، بحكم أفلامه السابقة، أهلًا للمقاطعة.
“يسخّف لابيد حملات المقاطعة قائلًا إنه يأمل بأن يجدوا ما يفعلونه “غير التفاخر بمقاطعة راقصة إسرائيلية معاصرة كما لو أنهم أسسوا للتو دولة فلسطينية””
في لقاء صحافي (“تيليراما”، 8 حزيران/ يونيو) يقول لابيد، فيما بدا عبارة وحيدة خارج الموضوع، إنه حين تلقى الدعوة من المهرجان، بدأ يفكر بعطلة صيفية هناك، فهذه المدينة بشواطئها ستُذكّر بتل أبيب. في هذه العبارة، أو الزّلة، الملفوظة كمسلَّمة، كنفسٍ بين عبارة جدالية عن موضوع المقابلة، وأخرى، هذه العبارة يمكن أن تكون عنوانًا للمسألة برمتها. أضيفُ إليها سؤالَ لابيد الاستنكاري لتلك المقاطعة باعتبار أفلامه ممولة من إسرائيل، سؤال له في مقابلة إذاعية (فرانس أنتير، 10 حزيران/ يونيو): “منذ متى هؤلاء يمثلون القضية الفلسطينية؟ بماذا يمثل هؤلاء فلسطين أكثر من أصدقاء لي سينمائيين فلسطينيين في إسرائيل؟”. (لكن من هم هؤلاء، السينمائيون الفلسطينيون الأصدقاء؟)
بكل الأحوال، يواصل لابيد هجومه، في فقرة أخرى من مقابلة “تيليراما”، على متضامنين مع فلسطين بالمزايدة عليهم في تضامنهم، بنفي صدقيّتهم، بالقول إنهم نرجسيون، مسخّفًا حملات المقاطعة قائلًا إنه يأمل أن يجدوا ما يفعلونه “غير التفاخر بمقاطعة راقصة إسرائيلية معاصرة كما لو أنهم أسسوا للتو دولة فلسطينية”. ويمر على مهرجانات أسقطت أفلامًا له أو لقاءات معه لكونه إسرائيليًا، ولما سمّاه انتهازية وجبنًا، قائلًا، متذمرًا، أنه، “في النهاية، تؤدي استراتيجية الترهيب هذه إلى نتيجة معاكسة تمامًا لما كانت تستهدفه، إذ ينتهي الأمر بأن نتحدث عن كل شيء باستثناء القضية الفلسطينية نفسها”.
لابيد منزعج إذًا، لأن لا حديث كافيًا عن القضية الفلسطينية، وأن الناس بدل الحديث يذهبون إلى مقاطعته. لابيد الذي هرع إلى الإعلام الفرنسي شاكيًا، رافضًا مقاطعة أفلامه الممولة إسرائيليًا لأن لا علاقة لتلك المقاطعة بالقضية الفلسطينية، بالنسبة له، يزيح، مجددًا كما تفعل شخصياتُ أفلامه، الضحيةَ الفلسطينية ويرتمي مكانها بوصفه الضحية النموذجية، ضحية مزدوجة: من دولة إبادية ومن المبادين، إذ لا مكان له بين المبيد والمباد، ويحتاج تمويلًا من المبيد فاختار تغييب المباد.
استعمارُ لابيد مكانَ الضحية واستيطانه هي ميزة “لابيديّة” تتخطى شخصياته. في أفلامه الأخيرة على الأقل، “مترادفات” (2019) و”ركبة عهد” (2021) و”نعم” (2025). هو تمامًا ما قامت وتقوم به دولته، التي تموّل وزارةُ الثقافة والرياضة فيها أفلامه، في الضفة الغربية وقطاع غزة وجنوب لبنان: استعمار لموقع الضحية بعد تهجيرها منه، ثم استيطان المكان وتلبّس مكانة أصحابها الأصليين لتكون الدولةُ ضحيةَ مقاومات أصحاب الأرض، ويتلقف ذلك الإعلامُ الغربي ليبثه.
في أفلامه، الضحية لدى لابيد هو إسرائيلي يرفض سياسات حكومية. الضحية هو لابيد نفسه، فلا فلسطين في أفلامه كما أن لا فلسطيني بالنسبة لديه، لذلك يسمح لنفسه بالمزايدة فلسطينيًا (يا للهول!) على الداعين لمقاطعة أفلامه، لذلك يقول في المقابلة ذاتها إنه عاش لحظات خطرة لنشاطه من أجل فلسطين، أكثر خطرًا مما يعيشه هؤلاء الداعون للمقاطعة. لا الفلسطيني موجود إذًا في أفلامه – وهذه الفكرة كتبتُ عنها في مقالة لكل من هذه الأفلام وهي ذاتها تتكرر في سياق وقصة مختلفين- ولا الفلسطيني والمتضامن معه من الفرنسيين موجود بالنسبة له، فهو، شخصيًا، أشدّ نضالًا من أجل فلسطين، بل، أكثر من ذلك، هو ذاته يلوم، في المقابلة، موزعين إيطاليين لأنهم تجنبوا العمل معه علنًا، ومهرجانًا أيرلنديًا لأنه ألغى عروض أفلام له، واصفًا إياهم، هو الذي ناضل من أجل فلسطين كما قال، بالمتخفّين خلف خطاب نضالي انتهازي.
نداف لابيد، مثل حكومة بلاده، يريد كل شيء، الأدوار الرئيسية، حتى الشرير منها، في كل مكان. يريد تمويلًا إسرائيليًا وينتقد حكومته لكنه لا ينتقد الدولة لأنه بحاجة إلى تمويلها، ينتقد الداعين إلى مقاطعة أفلامه لأنها ممولة إسرائيليًا ويقول إنه ناضل من أجل فلسطين أكثر من الداعين هؤلاء. يطرح وجهة نظر إسرائيلية مطهِّرة عرقيًا للفلسطيني في أفلامه ويتهم مهرجانًا ألغى عروض أفلامه بالانتهازية النضالية.
أتمنى فقط أن يأتي يوم لا يقاطع فيه أحدٌ أفلام لابيد أو غيره مثله، لكنه، اليوم، لن يكون سوى حين يستطيع هؤلاء، المقاطعون، الاستلقاء بهناء على شواطئ فلسطين، من عكا إلى غزة.
