تقدم النجمة العالمية الحائزة على الأوسكار أنجلينا جولي واحدا من أكثر أدوارها عمقا وقربا من حياتها الخاصة، من خلال بطولة فيلمها الدرامي الجديد “كوتور” (Couture)، المقرر طرحه في دور العرض يوم 26 يونيو/حزيران الجاري.
ويمثل “كوتور” عودة جولي إلى الشاشة الكبيرة بعد أكثر من عامين على آخر أدوارها في فيلم “ماريا” عن مغنية الأوبرا ماريا كالاس عام 2024 للمخرج بابلو لارين، وهو العمل الذي أعادها إلى سباق الجوائز ولفت إليها إشادات نقدية واسعة.
اقرأ أيضا list of 4 itemsend of listتقاطع حاد بين الشخصية وحياة أنجلينا
تجسد جولي شخصية “ماكسين”، مخرجة أفلام رعب منخفضة الميزانية، تحصل على تكليف من دار أزياء فرنسية فاخرة لإخراج فيلم أزياء، بينما تحاول في الوقت نفسه إدارة حياتها كأم عازبة وسط طلاق مرير، قبل أن تتلقى صدمة تشخيصها بسرطان الثدي.
كاتبة ومخرجة العمل الفرنسية أليس وينوكور قالت في حوار مع مجلة “فارايتي” إنها كتبت الفيلم باللغتين الفرنسية والإنجليزية وهي تضع أنجلينا جولي في ذهنها منذ البداية، مضيفة: “كنت بحاجة إلى شخصية استثنائية تربطها بالقصة صلة خاصة جدا. أنجلينا تشبه الشخصية في أشياء كثيرة؛ فهي مخرجة أيضا، والجميع يعرف قصتها الإنسانية”.
وأشارت وينوكور إلى جانب آخر أرادته في الفيلم قائلة إن ما جذبها في جولي هو “روحها وطاقة البانك الخام” التي تمنح الشخصية حدة وتمردا يناسبان أجواء العمل.
ورغم أن بطلة “كوتور” تشخص بسرطان الثدي بينما لم تُصب جولي بالسرطان، فإن الفيلم يعكس مباشرة أجزاء من رحلتها الصحية. فقد كشفت في مقال شهير بصحيفة “نيويورك تايمز” عن خضوعها لعملية استئصال وقائي مزدوج للثدي بعد اكتشاف حملها لجين (BRCA1) الذي يرفع احتمال الإصابة بسرطان الثدي والمبيض، وهو المرض الذي تسبب في وفاة والدتها عن 56 عاما، كما فقدت جدتها بالمرض نفسه.
أنجلينا في دور ماريا كالاس آخر أعمالها السينمائية قبل الغياب (آي ام دي بي)
في أحد أكثر مشاهد الفيلم إيلاما، يرسم الطبيب -يجسده الممثل فنسنت ليندون- بخطوط حمراء على صدر ماكسين موضع الشقوق الجراحية استعدادا لاستئصال الثديين. تقول جولي إن أداء ليندون كان مقنعا إلى درجة جعلها تشعر كما لو كانت بالفعل أمام طبيبها؛ “كمريضة وامرأة، رغبت في أن أستند إليه وأسأله: هل سأكون بخير؟”.
وتضيف أن المشهد أعاد إليها وعيها بحقيقة الفناء: “لقد فقدت والدتي في سن مبكرة، ولم ألتقِ جدتي قط. لم أعش يوما وأنا أشعر بأنني سأحظى بعمر طويل. لقد تجاوزت الآن السن التي شُخصت فيها والدتي بالمرض، وأحيانا أشعر أنني أربي أطفالي وأنا أعدّهم لاحتمال غيابي أكثر مما أهيئ نفسي لفكرة أن أصبح جدة”.
“روحي القتالية عادت”.. سر العودة إلى التمثيل
في الحوار نفسه، لمحت جولي إلى تبعات طلاقها المعقد من النجم براد بيت والصراع القضائي الطويل حول الحضانة، وكيف أثرت تلك السنوات على مسيرتها. تقول: “أظن أن روحي القتالية عادت أخيرا. لقد فقدتها لفترة، وتعرضتُ لنوع من الانكسار، لكنها تعود الآن بفضل أطفالي الذين كبروا وصاروا يشجعونني”.
وتوضح أن أبناءها، الذين بدأوا يقتربون جميعا من سن الـ18، يريدون اليوم أن يروها “تسافر حول العالم وتخرج من عزلتها وتعود للعمل”. وتضيف: “هم يعرفونني أكثر من أي شخص آخر، ولا يزالون يحبونني، وهذا يعني الكثير بالنسبة لي. إنهم يشجعونني على استعادة أجزاء من نفسي ربما لم أكن أشعر بحرية ممارستها من قبل”.
وتتردد أصداء هذا الدعم العائلي في تقارير أخرى عن علاقتها بأطفالها الستة، الذين يتشاركون معها لقب جولي بعد الخلافات القانونية مع براد بيت، في امتداد لصورة العائلة المتماسكة التي ظهرت في حديثها مع “فارايتي”.
جولي تكشف أيضا أنها كانت قد قررت قبل الطلاق التوقف عن التمثيل والتركيز على الإخراج والعمل الإنساني الدولي، لكن ظروف ما بعد الانفصال أجبرتها على إعادة الحسابات: “كنت أظن أنني سأتفرغ للإخراج وأعمالي الدولية، لكن فجأة أصبحت العودة للتمثيل هي الطريقة الوحيدة لأن أبقى في المنزل فترات أطول، أو أسافر لمدد قصيرة، وفي الوقت نفسه أوفر دخلا مناسبا لتغطية الالتزامات. لذلك عدت للتمثيل، على أن أختار أعمالا تصور قريبة من المنزل أو في فترات قصيرة تسمح لي باصطحاب أطفالي”.
أنجلينا جولي وأطفالها شيلوه، وزهرة، وفيفيان، ومادوكس، ونوكس في العرض الأول لفيلم “الأبديون” (غيتي)كوتور.. “نحن أقوى معا”
يندرج “كوتور” ضمن أفلام البطولة الجماعية، إذ تشارك إلى جانب أنجلينا جولي كل من الممثلة إيلا رومبف في دور خبيرة مكياج وكاتبة طموحة، وعارضة الأزياء القادمة من جنوب السودان أنيير أني في دور عارضة تزور باريس لأول مرة وتصبح وجه الفيلم الذي تصوره ماكسين بالتعاون مع دار الأزياء. وتلتقي النساء الثلاث في لحظات شديدة الهشاشة من حياتهن، بينما يحاولن النجاة بطريقتهن الخاصة.
أليس وينوكور أوضحت أن العنوان الأصلي للفيلم كان “نعيش معا أو نموت” (Ride or Die)، مؤكدة أن جوهر العمل يدور حول “روح البقاء” والتضامن الإنساني، وبشكل خاص بين النساء ذوات الندوب الجسدية والنفسية. تقول: “نحن أقوى معا. الفيلم عن تلك اللحظات الهشة بين البشر، وكيف نشارك أحيانا أكثر أسرارنا حميمية مع غرباء تماما”.
الفيلم، الذي تدور أحداثه في عالم الأزياء اللامع، يحاول كشف ما وراء الصور البراقة من جروح وتجارب قاسية؛ إذ “نرى كل الندوب خلف الصور المثالية”، كما تقول المخرجة، في احتفاء بالحياة وبالروابط التي تنشأ بين أشخاص يجمعهم الخوف من الفناء والرغبة في الاستمرار.
محطة جديدة في مسيرة أنجلينا جولي
يمثل “كوتور” أحدث إضافة إلى مسيرة نجمة راكمت عشرات الأدوار اللافتة منذ “فتاة مبتورة” (Girl, Interrupted) الذي حصدت عنه الأوسكار، ومرورا بسلسلة “لارا كروفت” و”مستر أند مسز سميث” و”ماليفيسنت” وأعمال أخرى جمعت بين البطولة التجارية والانخراط في قضايا إنسانية جعلت من اسمها أحد أبرز الوجوه العالمية في مجال الدفاع عن اللاجئين وحقوق المرأة.
ومع عودتها إلى التمثيل في شخصية مخرجة سينمائية تواجه جسدها وذكرياتها وقلق أن تفارق أبناءها مبكرا، يبدو “كوتور” فيلما يقف عند تقاطع نادر بين سيرة أنجلينا جولي الشخصية ومسارها الفني، ويعلن عودة “روحها القتالية” كما وصفتها هي نفسها، لكن عبر شخصية على الشاشة هذه المرة.
