لم تلق رواية “ليل ونهار” الاهتمام ذاته الذي حظيت به أعمال أخرى للكاتبة البريطانية فرجينيا وولف، ربما لأنها لم تحقق تلك الإزاحة النوعية في لغة السرد وتقنياته مثلما فعلت في روايات مثل “السيدة دالاوي” و”أورلاندو”. تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي يبدأ عرضه اليوم الجمعة في صالات بريطانيا وأيرلندا، يعيد الأنظار مرة أخرى إلى عملٍ اختلف تقييم النقاد والقراء حوله منذ صدور طبعته الأولى عام 1919.

“ليل ونهار” الرواية الثانية لوولف، بعد عملها “رحلة الخروج”، وهي أقرب إلى رواية اجتماعية تنطوي على كوميديا عاطفية، تقع أحداثها في لندن عام 1910، وتقص حكاية تقليدية عن ابنة عائلة أدبية ميسورة، تدعى كاثرين هيلبري، تساعد والدتها في كتابة سيرة جدّها الشاعر، إلا أنها تميل إلى دراسة الرياضيات والفلك، وهي البؤرة الأساسية في فيلم المخرجة البريطانية من أصل إيراني تينا غارافي.

تعيش كاثرين صراعاً بين ما هو منتظر منها، على اعتبارها امرأة مقبلة على الزواج، وبين رغبتها في تحقيق استقلال عقلي وعاطفي. 

وإلى جانب البطلة الرئيسية تقص الرواية حكاية مجموعة من الشخصيات، التي تمثّل نماذج وظيفية داخل بنية السرد، مثل الشاعر المتكلّف الذي يمثل الزواج التقليدي، يدعى رالف دينهام، وهو موظف قانوني ينتمي إلى طبقة أدنى، ويبحث عن طريقة كي يتحرر من عائلته. وأيضاً الناشطة في حركة حق الاقتراع للنساء، ماري داتشت، والتي تمثل إمكاناً آخر للمرأة المستقلة.

روايةٌ تتسم ببناء واقعي، يصور منظومة اجتماعية تقليدية

تنتمي الرواية إلى مرحلة وسيطة في مسيرة وولف الأدبية، لم تبلغ فيها أسلوب تيار الوعي الذي عرفه القارئ في أعمالها اللاحقة مثل “إلى المنارة”. لكنها حملت بدايات هذا الأسلوب، عبر الانتباه إلى الحيرة الداخلية، وسوء الفهم، والفرق بين الكلام المعلن، والحياة الخفية للشخصيات. وعلى الرغم من أنها رواية تتسم ببناء واقعي، يصور منظومة تقليدية، إلا أن حواراتها الطويلة التي غالباً ما تجري في الحدائق، إضافة إلى العودة المتقطعة إلى العالم الداخلي للشخصيات، تظهر مرتبطة بأسئلة متمرّدة في موضوعات الزواج، والعمل، وحق المرأة في أن تختار معنى حياتها ومجال عملها. 

ويتّسم أسلوب وولف الأدبي، بالانصراف عن الحدث الخارجي، والتركيز على حركة الوعي الداخلية، فالشخصيات عندها تُعرَّف بما تتذكره، وبما تخفيه عن الآخرين. وتعتمد جملها إيقاعاً شعرياً متقطعاً، ينتقل بين الحاضر والماضي، وبين الواقع والانطباعات عنه، كأن السرد مونتاج ذهني، حيث التفاصيل الصغيرة، كصوت الساعة أو ضوء النافذة أو حركة عابرة في الشارع، مدخل لأسئلة ذاتية، تتداعى بدءاً منها الذكريات.

يعيد الفيلم الأنظار مرة أخرى إلى عملٍ اختلف تقييم النقاد حوله
 

وتأتي هذه العودة إلى “ليل ونهار” بعد اقتباسات وقراءات معاصرة أخرى لأعمال وولف، هذا العام، من بينها فيلما “كلاريسا” و”اليوم الأخير” المستوحيان من “السيدة دالاواي”، والاقتباسان المسرحيان “الأمواج” و”السيدة دالاواي”، إضافة إلى عمل الباليه “أعمال وولف”. والفيلم الجديد من كتابة جاستن وادل، وتؤدي هالي بينيت دور كاثارين هيلبري، إلى جانب إلياس مبارك، وجينيفر ساوندرز، وليلي ألن، وجاك وايتهول، وتيموثي سبال.