ضحى عبدالرؤوف المل
لا يمارس الفنان البوركيني مامدو كوليبالي Mamdou Coulibaly والمعروف باسم Joe Kokker زينة بصرية أو تمريناً في التوازن اللوني، بل يبني ذاكرة كاملة داخل شكل دائري واحد. انطلاقا من فكرة أهمية الوجه. وليس قناعاً، بل الفكرة الأولى التي ولدت منها الأقنعة قبل أن تتحوّل إلى أدوات احتفالية أو طقوسية. فالدائرة الضخمة التي تحتضن الملامح لا تؤطر الشخصية المرسومة بقدر ما تؤطر الكون نفسه. لأن جو كوكر يضع القناع داخل الدائرة، ويجعل الدائرة هي القناع الأكبر، وكأن الإنسان نفسه ليس مركز العالم، بل مجرد نقطة صغيرة داخل حركة كونية أوسع منه. ولهذا لا يشعر المتأمّل للوحاته أنه ينظر إلى شخص محدد، بل إلى مبدأ قديم مجهول يطل من أعماق التاريخ. وهولا يعتمد على الخطوط بوصفها حدوداً فاصلة بين العناصر، بل بوصفها شرايين للطاقة. كل خط من الخطوط داخل لوحاته يتحرك، وكأنه يواصل رحلة بدأها قبل آلاف السنين. لا شيء ساكن في لوحاته فالمثلثات الصغيرة التي تتكرر حول الدائرة تشبه نبضات متلاحقة، وكأن الشكل كله كائن حيّ يتنفس. والتكرار ليس زخرفة بل إيقاع. فهو لا يرسم اللون فوق السطح، لأن اللون نفسه يشارك في إنتاج الزمن داخل اللوحة. لذلك يشعر المشاهد أن عينه تتحرك باستمرار حول المركز ثم تعود إليه ثم تغادره من جديد في دورة لا تنتهي، كما لو أنها تعيش داخل مدار بصري لا يسمح لها بالاستقرار.
أما القناع نفسه فيمتلك مفارقة مدهشة. فهو يبدو بدائياً وحديثاً في الوقت ذاته. عيناه البسيطتان تستدعيان أشكالاً موغلة في القدم، لكن انتظام البناء الهندسي حولهما يمنحهما بعداً معاصراً. إذ يرفض كوكر الفصل التقليدي بين الماضي والمستقبل. فالقناع لا يأتي من التاريخ كي يروي قصة قديمة، بل يأتي من المستقبل ليذكّرنا بأن بعض الأسئلة لا تموت. من نحن؟ وما الذي يبقى من الإنسان عندما تسقط عنه جميع الأسماء؟ لهذا يبدو الوجه مختزلاً إلى عناصره الأساسية من عينين، أنف، فم. كأن الفنان يجرد الهوية من تفاصيلها اليومية ليصل إلى جوهرها الأول.
أما فيزيائية الألوان تستحق تأمّلاً خاصاً. فالأزرق لا يظهر بوصفه لوناً للسماء فقط، بل كمساحة للتأمّل والعمق. الأحمر لا يؤدي دور الانفعال وحده، بل يعمل كقوة دفع داخل البناء. الأصفر لا يمثل الضوء، بل يصنعه. أما الأسود الموجود في مركز الوجه فلا يبدو غياباً للنور، بل كمستقر له. وكأن الفنان يقلب القوانين المألوفة، فالظلمة في أعماله ليست نقيض الإشراق بل إثبات حالته. لذلك تتولد حالة بصرية غريبة يشعر فيها المشاهد أن الألوان لا تتجاور بل تتحاور. كل لون يشرح الآخر ويمنحه سبباً إضافياً للوجود.
ولكن تبدو الدوائر المركزية أشبه بشمس تحمل ألوان قوس قزح وهي ترمز للحياة. فالثقافات الإفريقية لطالما نظرت إلى الأشكال الدائرية بوصفها رموزاً للدورة والاستمرارية والتجدد. وتتحول الدائرة إلى استعارة للحياة نفسها. لا بداية واضحة ولا نهاية واضحة. كل شيء يعود إلى نفسه. حتى الوجه الموجود في المنتصف لا يبدو فرداً مستقلاً بل جزءاً من هذه الدورة الكبرى. إنه ابن اللون وابن الضوء وابن الإيقاع الهندسي الذي يحيط به. فهل كانت البشرية منذ البداية ترسم الوجوه، أم أنها كانت تحاول رسم صورة الكون وهو يتأمل نفسه؟
لكن المثلثات الصغيرة والأنماط المتكررة لا تشرح القناع، بل تخلق وجوده. لو أزيلت هذه التفاصيل لما بقي الوجه كما هو. ولذلك يمكن القول إن الفنان يطرح رؤية مختلفة للهوية الإنسانية، فالإنسان ليس جوهراً منفصلًا عن محيطه، بل مجموع العلاقات والأنماط والذكريات التي تتشكل حوله. ومن زاوية هندسية بحتة، تكشف هذه الأعمال عن ذكاء بنائي مدهش. فالتكوين قائم على مبدأ التناظر المحوري الصارم، وهو أحد أقدم المبادئ الجمالية في الحضارات الإنسانية. لكن جو كوكر لا يستخدم التناظر بوصفه قانوناً رياضياً جامداً، بل بوصفه أداة لإنتاج الشعور بالاستقرار الكوني. كل عنصر في الجانب الأيسر يقابله عنصر مماثل في الجانب الأيمن، وكأن العالم لا يمكن أن يستمر إلّا إذا حافظ على توازنه الداخلي. غير أن هذا التوازن لا يخلو من التوتر، فالأنوف الطويلة الحادّة والخطوط العمودية القوية تخترق الدوائر الأفقية المتكررة، فتتولد مواجهة بين الحركة الرأسية والحركة الدائرية. وهنا تظهر عبقرية التصميم؛ إذ يتحوّل الوجه إلى نقطة التقاء بين قوتين هندسيتين هما قوة الصعود وقوة الدوران. إن العين لا تقرأ هذه الأقنعة بوصفها وجوهاً فقط، بل بوصفها معادلات بصرية تتصارع داخلها الاتجاهات المختلفة. ومن اللافت أن الفنان يكرر المثلثات الصغيرة عشرات المرات في الحلقات المحيطة بالوجه، وكأنه يبني سوراً من الإيقاع الهندسي حول المركز. إن هذا التكرار ليس تكراراً زخرفياً، بل يشبه النبض أو التنفس أو الضربات المتلاحقة لطبول احتفالية قديمة. لكن إذا كان القناع يكشف جوهر الإنسان بدل أن يخفيه، فكم قناعاً نحتاج إلى نزعه كي نرى وجوهنا الحقيقية؟
