إعداد : أليكس كلارك
ترجمته عن الغارديان:
رؤى زهير شكر
يشرح الروائي يان مارتل التي تعد روايته حياة باي الأكثر مبيعًا تقديم روايته الجديدة لملحمة هوميروس وهي بمثابة الترياق الأمثل لعصر ترامب.
بمساحةٍ لا تتجاوز مساحة استوديو اعتاد يان مارتل للكتابة،، بمساحة لا تتعدى عشرة أقدام في اثني عشر قدمًا؛ وخلف مكتبه المجهز بجهاز المشي تمتد أكوام الثلج التي تفصله عن المنزل الذي يتقاسمه مع زوجته، الكاتبة أليس كويبرز، وأبنائهما الأربعة.
وُلد مارتل في إسبانيا، إلا ان عمل والده الأكاديمي نقل العائلة إلى أماكن عديدة منها البرتغال وفرنسا وكوستاريكا وألاسكا؛ ولعلّه ليس من المستغرب، بعد كل هذا الترحال، أن يستقر في ساسكاتون، كندا، منذ سنوات طويلة. إلا ان رواياته لا تتقيد بأي زمان أو مكان: فمن طوف البحر المتقاذف في رواية “حياة باي” الرواية الحائزة على جائزة بوكر، إلى رواية “بياتريس وفيرجيل” المستوحاة من دانتي، والثلاثية المتغيرة الأزمنة في “جبال البرتغال العالية”، يتضح جليا أن مارتل يمتلك خيالا متجولا.
فيما تأتي رواية “الابن المجهول”، التي كتبها مارتل ما قد يُطلق عليه أستاذة الرواية الساخرة بـ “هوميريكا زائفة”؛ وهي نسخة من حرب طروادة تُروى من منظور جندي مجهول يُدعى بسواس، اكتشفها باحثٌ مُتحمس في أكسفورد المعاصرة، وهو الباحث هارلو دون. حيث تظهر فيها القصيدة كاملةً، مع قصة هارلو – بما في ذلك انهيار زواجه وعلاقته بابنته الصغيرة هيلين – عِبر مُقدمةً كُتبت بهوامش مُسهبة، تتسم أحيانا بالطابع الأكاديمي، إلا انها في كثير من الأحيان كُتبت بروح الدعابة والألفة المنزلية.
كانت الإلياذة لهوميروس نفسها، بترجمة ستيفن ميتشل، هي الشرارة التي أشعلت شرارة هذا الشغف، حيث أوصت بها كويبرز زوجها. ولما أدرك مارتل أنه بلغ الخمسين من عمره دون أن يقرأ أحد أهم الأعمال الأدبية العالمية، تناولها، متوقعا أن تكون “وقورة ومملة نوعا ما… معتبرا إياها كتابا كُتب لكبار السن”. إلا انه بدلًا من ذلك، انجذب لقوة الأحداث وعمق استكشاف القصيدة للحياة والموت.
“وبدأت الأفكار تتبادر إلى ذهني. لفت انتباهي أمور كثيرة، منها أن الإلياذة لا تتحدث إلا عن الأثرياء. إنها عن أمثال بيل غيتس وجيفري إبستين، يحكمون العالم ويتنازعون لأنهم لا يجدون ما يشغلهم، بصراحة، بينما ماذا عن عامة الناس؟ ماذا عن الجنود؟ ماذا عن آرائهم؟ ماذا عن المسكين العالق في الخنادق؟” ويشير إلى أن الغضب عنصر أساسي في الطابع العاطفي للقصيدة، فهي، كما يقول، “كتاب عن فشل السيطرة على الغضب”.
حينها بدأ يتخيل كتابة ردود من منظور مختلف: “لهذا السبب جعلتُ بسواس رجلاً عادياً، لأني لا أتعاطف مع نخبة هذا العالم تحديداً، وبدأتُ أتعمق في الموضوع. ثم استمتعتُ به حقاً.” أثناء كتابة القصيدة نفسها، وجد مارتل نفسه متحرراً من قيود الإيقاع والوزن، ساعياً لشيء متحكم فيه إلا انه فضفاض واسع النطاق حيث ذكر ذلك قائلا: “لم أكن أرغب تماماً في البساطة، كما اني لم أكن راغبا أيضاً في المبالغة”.
فخيال مارتل كان يستمد إلهامه من أدب الماضي البعيد، فهو لا يراه وسيلةً لعزل نفسه عن الحاضر، بل وسيلةً لتحديد موقعنا في سياق تاريخي أوسع. يوضح ذلك قائلاً: “نحن نعيش الآن في عالم ترامبي، حيث بوتين والصينيون، والأمر سيء للغاية. وأنا أعرف ذلك لأني أعيشه كمواطن بشكلٍ يومي. لذا، لا أرغب بالضرورة في أعمال روائية تعكس ذلك بشكل مباشر: كما اني لست مهتما بمحاكاة ترامب الساخرة، لأنه حاضرٌ بالفعل، أمام عيني. أفضل بكثير العودة إلى الأعمال القديمة، لأنها تعكس حقبةً مختلفة. والحقيقة أننا مررنا بمثل هذه الظروف من قبل: لذا، أقول لمن يشعرون باليأس من ترامب: تخيلوا أنكم في عام 1915 والحرب مستعرة، ومئات الآلاف من الشباب يموتون بمعدلات مُفزعة. ومع ذلك، فقد نجونا.”
ينبثق اهتمام مارتل بأعظم أسئلة الوجود جزئيا من دراسته للفلسفة في الجامعة، حيث وجد نفسه “مُنتشيا” بأفكارٍ حول ماهية الجمال والعدالة والحقيقة. في المقابل، بدت له الكتب التي صادفها في دورة الأدب مجرد تسلية بسيطة، أو حتى أقل من ذلك. يقول مارتل عابسا: “عندما قرأتُ بيرسي بيش شيلي يتحدث عن زهرة، فكرتُ: ان لا أهتم بجمال الزهرة، فهو أمرٌ سخيف. كما انه بدا لي تافها مقارنةً بفكرة أن الله كامل، وبالتالي لا بد من وجوده، فلماذا لا أكون متدينا؟ وجدتُ ان ذلك مثيرا للاهتمام حقا، الا انه في نهاية الأمر ، أردتُ التعبير عنه من خلال الفن.”
ويضيف أنه اكتشف، بالطبع، كتّابًا أعجب بهم أكثر من شيلي، من بينهم “جوزيف كونراد وفرجينيا وولف وويلا كاثر، وغيرهم من الكتّاب الذين لم يقتصر حديثهم على الزهور. فقلت: يا للعجب، هناك الكثير مما يمكن فعله بالكلمة المكتوبة. هناك الكثير مما يمكن فعله بالقصص. فالقصص شاملة، بينما الفلسفة أكثر تحديدا. فكيف نجمع بينهما؟ ومن هنا ينبع اهتمامي بطرح الأسئلة الكبرى، فهي ما يجعل الفن جديرا بالاهتمام.”
قبل رواية “حياة باي”، نشر مارتل كتابين، هما القصص القصيرة “حقائق وراء روكاماتيوس هلسنكي” وكتاب “الذات” الذي يحمل عنوانا أكثر إيجازا، وكلاهما حظي، كما يوضح مارتل ذلك، بتقييمات جيدة إلا ان مبيعاته وقتذاك كانت متواضعة. لم يتخيل أن قصة علاقة صبي ناجٍ من غرق سفينة بنمر بنغالي يُدعى ريتشارد باركر ستغير مسار حياته: “كنت أفكر، هذا كتاب عن الدين، وهو خالٍ من السخرية والتهكم. لا يتناول النظام الأبوي. كما يتناول الحيوانات، وعادةً ما نجد الحيوانات في كتب الأطفال، لا كتب الكبار. والأسوأ من ذلك، أنني أدافع عن حدائق الحيوان، وكثيرون ينظرون إليها على أنها سجون للحيوانات. وهي لا تحظى بشعبيةٍ لدى قارئ الروايات العادي في المدن. لذا، فأنا أتناول كل هذه الأمور التي لا تُعجب القراء العلمانيين. هذا الكتاب سيغرق.”
لكنه لم ينجح فحسب، بل وجد القراء أنه يُخاطبهم بشأن العلاقات والتواصل. يتذكر مارتيل قراءةً لاحظت فيها امرأة أن “باي يعتني بالنمر، ويطعمه، وينظف وراءه، ثم يرحل دون وداع. هل هذه استعارة للزواج؟” (هو لا يقول ذلك صراحة، ولكنه لا ينفي ذلك أيضا.)
بعد ربع قرن، مازال مارتل مطلوبا للتحدث عن روايته للقراء والطلاب في جميع أنحاء العالم. ورغم أنه يعتقد أن فيلم آنغ لي قد فقد شيئا من روعته لانشغاله المفرط بالمؤثرات الخاصة – بينما يصرّ على أنه في جوهره “دراما برجوازية في قارب نجاة بين كائنين يتعايشان بصعوبة” – إلا أنه أعجب أكثر بالمسرحية المقتبسة من الرواية، والتي تتمحور حول الدمى، من إخراج لوليتا تشاكرابارتي.
أثناء الحديث، تحوّل الحوار مرارا وتكرارا إلى اهتمام مارتل بالذاكرة، بدءً من الخلود الذي يحققه الفنانون العظماء من خلال أعمالهم، وصولًا لكيفية تخليد ذكرى الجندي العادي. عندما سألته عما يعمل عليه لاحقا، أراني صندوقا صغيرا يحتوي على 52 كتيبا، بعضها لا يتجاوز صفحة واحدة، وبعضها قصص أطول، كتبها فيض من الطاقة الإبداعية والعاطفية خلال الأسابيع الستة التي قضاها في انتظار أن يقرأ محرره رواية “الابن المجهول”.
تتناول هذه الأعمال والدته المصابة بمرض الزهايمر، والتي تقيم حاليا في دار رعاية، حيث تشعر بوحدةٍ قاتلة لعجزها عن تذكر أصدقائها وعائلتها أو تكوين علاقات جديدة. وقد أثّرت فيه الخسائر التي تكبدتها – فقدان والد مارتل، وإخوتها، والآن الكثير من ذكرياتها – فقرر توثيق جانبٍ منها ومن حياتها. يقول: “عادةً، لا أعمل على أكثر من مشروع واحد في الوقت نفسه. أنا شخصٌ مُتخصص في مجالٍ واحد – أعمل على شيءٍ ما بإصرارٍ حتى أنتهي منه. لذا، كان هذا الكتاب مفاجأةً لي”.
ربما يكون هذا تطورا طبيعيا أكثر مما يبدو، نظرا لكل ذلك الوقت الذي قضاه في عالم الإغريق القدماء الدموي، وفي قصة “الابن المجهول” المعاصرة، التي تستكشف برقةٍ بالغةٍ وعاطفةٍ جياشةٍ الرابطة بين الوالدين والطفل. أما بالنسبة لما قد يظهر بعد كتابه في صندوق، فإن مارتل كان واثقا من أن شيئا ما سيشبع شغفه بما يسميه التفكير السحري لكتابة الخيال: “تصبح إلها صغيرا عندما تكون فنانا، مثل طاهٍ، تجمع الطعام من عناصر متباينة. أنت تخلق شيئا ما. وهذا أمر مثير حقا.”