ليس من السهولة بمكان تلمّس الخيط الفاصل بين المتخيّل الغرائبي والمعيش الواقعي في رواية “الكهل الذي نسي: “للروائي الجزائري سمير قسيمي، الصادرة عن دار نوفل في بيروت. ذلك أنّنا إزاء بنية روائية مركّبة، يختلط فيها الروائي بالراوي، وتطيح بخطّية الزمن، وتجاور بين الغريب والعادي، ويصعب التمييز بين بدايتها والنهاية، ما يستدعي استنفار القارئ ملكات القراءة للتمييز بين الغرائبي والواقعي، والقبض على الحكاية المتناثرة في خطاب روائي مركّب.

العشرية السوداء
 تدور أحداث الرواية في الجزائر العاصمة، وتتموضع، على المستوى الزمني، بين لحظة أكتوبر 1988 واللحظة الحاضرة وما بينهما من العشرية السوداء. وتتناول تداعيات الأخيرة على شخوص الرواية، تلك التي تتراوح بين الإخفاء والقتل والقمع والاعتقال والتحقيق وكمّ الأفواه وإسكات المعارضين، وهو ما تعكسه الوقائع والتخيّلات المروية. وبذلك، تدور في فلك تأثير العام التاريخي على الخاص الفردي، في ظلّ الشموليات الدينية والسياسية، التي تصادر حرية الفرد، وتحول دون ممارسة حقوقه في التفكير والتعبير، واستطرادًا في الحياة الحرّة الكريمة. 

اضطرابات نفسية
يشغل المتخيّل الغرائبي النصف الأول من الرواية. وتشكّل جلسات التحقيق والعلاج النفسي التي تخضع لها الشخصية المحورية، الناسية اسمها، الإطار الذي تجري فيه الأحداث الغرائبية، وتعتبر “دائرة الكتّاب المجهولين”، الواقعة تحت الأرض، المكان الروائي المحوري في هذا القسم. وبذلك، تشمل الغرائبية الشخوص والأحداث والمكان؛ فالشخصية المحورية في الرواية تعاني من اضطرابات نفسية، تفقد معها ذاكرتها، وتنسى اسمها، أو لعلّها تتعمّد ذلك، وهي موضع تحقيق أمني، في الوقت نفسه. لذلك، تخضع لجلسات دورية تحقيقية / علاجية يجريها الطبيب النقيب ياسين بلقاسم، بإشراف عقيد يثير اسمه الرعب في النفوس. وخلال هذه الجلسات، تترجّح الشخصية بين الامتناع عن التعبير ورفض الكلام، من جهة، والإسهاب في التعبير شفهيًّا وكتابيًّا، من جهة ثانية، تبعًا للحالة النفسية المختصّة، على أنّ التعبير يمزج بين ذكريات متفرّقة، وومضات تتخيّل فيها رؤى معيّنة، وكتابة صفحات طويلة. 

 

ويتبيّن لنا، من خلال المادّة المروية، أنّ المريض يطارد حلمه، منذ ثلاثين عامًا، بأن يكون كاتبًا روائيًّا، ورغم محاولاته الكثيرة لتحقيق حلمه، فإنّه يفشل في ذلك، وأنّه، في طفولته، كان يطرح أسئلة أكبر من عمره، ويرسم رسومًا أكبر منه. واليوم، في كهولته، يجترح شخوصًا ينخرط معها في حوارات، ويتّخذ من بعضها أقنعة له، ما يجعلنا إزاء فصام متعدّد، فمرّة هو سمير، وثانية هو عبدالله، وثالثة هو ياسين. ويتوهّم أحداثًا غريبة ووقائع معيّنة، فيتهيّأ له أنّ العبد الأفريقي في لوحة تشكيلية سبق له أن رآه في ورشة الكتابة، أو أنّ المرأة الملثّمة في لوحة أخرى قد اختفت. ويتبيّن، من خلال شهادات الآخرين، أنّ ما يراه مجرّد تهيّؤات لا وجود لها على أرض الواقع.

تهيّؤات وأوهام
 وحين يتلقّى دعوة، بعد عودته من الشارقة، للانضمام إلى ورشة عمل، تنظّمها دائرة الكتّاب المجهولين في مكان تحت الأرض، تشكّل هذه الواقعة نقطة تحوّل في حياته، تؤول به إلى مصير قاتم، من فقدان الذاكرة، واستطرادًا الهوية. وهنا، تعيش الشخصية ازدواجية تبلغ حدّ الانفصام بين الكاتب الذي تتمخّض عنه، بعد انضمامها إلى ورشة الكتابة، ويبدو على قدر من التماسك، والمريض الذي تتمخّض عنه الوقائع المروية، ويبدو على قدر من التفكّك. وفي هذا السياق، لا تقتصر تهيّؤات الشخصية على دائرة الكتّاب المجهولين، بل تحدث في أمكنة روائية أخرى؛ ففي متحف باردو الذي يصطحبه إليه مدير الورشة الحازم يصرّح بأنّه سبق له أن شاهد، في الورشة، العبد الأفريقي المقيّد بالسلاسل في اللوحة النادرة، الأمر الذي ينفيه المدير. وفي حانة بنزو التي كان يرتادها يصرّح بأنّ الرجل الذي كان برفقته واختفى ثمّ ظهر من جديد يحمل اسمه نفسه، الأمر الذي ينفيه النادل.

 

الطبيب والعقيد
ولعلّ ما يلفت النظر، في هذا السياق، أنّ المريض يبدو، من خلال حواراته مع الطبيب، على وعي بحالته المرضيّة المتمظهرة ببناء طبقات الوهم حول نفسه لسنوات، وباختراعه جيشًا من الأشباح يخوض معركة الكتابة بدلًا منه، وبتشكيكه في حقيقة وجود الطبيب والعقيد. والمفارق أنّ الأخيرين يتأثران، بدورهما، بالمريض، ولا يؤثّران فيه فقط؛ فالطبيب الذي يزاول المهنة، منذ ثلاثين عامًا، لم يسبق له أن صادف مثل هذه الحالة المرضية، ما يدخله في حالة من الأرق يكاد معها يتحوّل إلى مريض، وهو يرصد في التقارير التي يرفعها إلى العقيد التحوّلات التي تطرأ على المريض، خلال وجوده في المصحّة، من الصمت والتحديق في الجدار الأبيض والنوبات المتقطّعة والصراخ الليلي إلى الكتابة بشكل منظّم ومركّز والكلام بنبرة هادئة. 

 

أمّا العقيد فينشغل، بدوره، بالمريض الغارق في بئر نفسه المظلمة الذي يبني سجنه بأوهامه، ويظنّ نفسه كاتبًا مهمًّا، ويبدو مأخوذًا بسلطته. وعليه، يحفل النصف الأوّل من الرواية بجملة من الأحداث الغرائبية، تنخرط فيها مجموعة من الشخوص الغريبة، وتجري في أماكن لا تخلو من الغرابة، وفي زمن تظلّله أجواء العشرية الجزائرية الغريبة عن تاريخ الجزائر. وبذلك، تنسحب الغرائبية على الأحداث والشخوص والمكان والزمان. 

 حقيقة الأب 
 في المقابل، يشغل المعيش الواقعي النصف الثاني من الرواية. وإذا كان البحث عن الاسم يشغل حيّزًا من النصف الأوّل، فإنّ البحث عن حقيقة الأب يشكّل محرّك الأحداث في النصف الثاني. ذلك أنّ الراوي يكتشف، ذات يوم، من خلال عثوره، في صندوق أمّه، على رسالة موجّهة إلى أبيه بلقاسم قسيمي، أنّ الأخير الذي اختفى، خلال أحداث العام 1988، لم يكن مجرّد حمّال، كما حاول أن يوحي، بل كان بروفيسورًا مرموقًا، يقوم كاتبها المؤرخ والصحافي مصطفى أمت بشكره والإشادة بمقال كتبه الأب عن انتفاضة الشيخ إدريس بن أحمد الأغالي والمقاومة الطوارقية، فيشكّل هذا الاكتشاف المفاجئ نقطة انطلاق، يبدأ منها الراوي لجلاء حقيقة أبيه، فيتوجّه إلى المكتبة الوطنية يبحث في أرشيف مجلّة أفال التي نُشر فيها المقال. 

 

وخلال إعداده لمقال عن تاريخ الصحافة الجزائرية، يعثر على معلومات عن كاتب الرسالة مصطفى أمت الذي كانت تربطه بالأب علاقة صداقة، ويقع على رواية له منشورة في جريدة النصر، تقوده إلى ابنته نهى، حتى إذا ما التقى بالأخيرة في متحف باردو الذي تعمل فيه، بعدما أرشده إلى مكانها موظف الأرشيف عمّي بو علاّم، يتوصّل إلى الحقيقة التي يبحث عنها، فيكتشف أنّ المؤرّخ والصحافي مصطفى أمت عُثِر عليه مقتولًا في أبريل 1978، خلال تنفيذه عقوبة السجن بتهمة الإساءة إلى رموز الثورة التحريرية وتاريخ الجزائر، وأنّ اختفاء أبيه هو مجرّد صدفة في دوّامة العنف ولا علاقة له بما حصل لصديقه مصطفى. 

 

هنا، ينتهي الراوي من كتابة مخطوطة الرواية التي ترصد تحوّلات الشخصية المحورية، من جهة، وتوثّق عملية البحث عن حقيقة الأب، من جهة ثانية. والمفارق أنّه يكتب اسمه الحقيقي “سمير قسيمي” في أعلى الصفحة الأولى منها، وعنوانها “الكهل الذي نسي” في وسطها، ويهديها إلى الطفل الذي كأنه. وبذلك، يتقاطع الروائي مع الراوي في الاسم والعنوان والإهداء، على الأقل، ناهيك بنقاط تقاطع أخرى وردت في المتن الروائي. 

 وهكذا، نكون إزاء خطاب روائي مركّب، يجمع بين الأضداد، ويُجاور بين المفارقات، ويخلط بين الأمور، وتُستخدَم فيه تقنيات سرد متنوّعة، تتراوح بين السرد العادي، والرسالة الخاصّة، واليوميات المتقطّعة، والتقارير الطبّية، والخبر الصحافي، والقصيدة الشعرية وغيرها. وهو ما يسهم في تركيب الخطاب، ويجعل قراءة الحكاية محفوفة بشيء من التعب الممتع.