حرص كارل ماركس على قراءة مسرحيات شكسبير بصوت عالٍ يومياً لأطفاله، لدرجة أن ابنته الصغرى إليانور كانت تحفظ مقاطع كاملة من نصوصه وتلقيها منذ سن الرابعة، كما يشير الباحث والمترجم العراقي رضا الظاهر في كتابه “شكسبير: مقاربة جمالية ماركسية” (مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع، بغداد، 2025).
ينطلق الكتاب من فرضية مركزية وصادمة وهي أن “ماركس كان شكسبيرياً، وأن شكسبير كان ماركسياً”، مما يوحي بأنه يلوي عنق التاريخ عبر إسقاط مفاهيم القرن التاسع عشر على كاتب من القرن السابع عشر، لكن الأفكار سرعان ما تكسر الحواجز حين نرى أن ثمة محاولة لشرح كيف نظر شكسبير إلى ولادة النظام الرأسمالي من رحم الإقطاعية المحتضرة، أي أن الكتاب لا يتعامل مع شكسبير باعتباره مجرد كاتب مسرحي عبقري نبت في فراغ تاريخي، أو بوصفه أداة أيديولوجية لترسيخ سلطة العهد الإليزابيثي، بل يراه شاهداً ومساهماً في مرحلة الانتقال العنيف والاضطراب الاجتماعي الشامل الذي رافق صعود البرجوازية.
ويستعرض المؤلّف تاريخ تطور النقد الشكسبيري وتأثر الأوساط الأكاديمية الغربية بالفكر الماركسي، مفرداً مساحة مهمة لتيارين بارزين ظهرا في ثمانينيات القرن العشرين، هما “التاريخية الجديدة” في الولايات المتحدة، و”المادية الثقافية” في بريطانيا. كما يضيء على إسهامات “النسوية المادية” التي نتجت من التحالف المعرفي بين الماركسية والنسوية. فقد نجح هذا التيار في إعادة تعريف “الذاتية” والنوع الاجتماعي (الجندر) في مسرح شكسبير عبر قراءة تداخلات الطبقة والجندر ضمن سياقات الإنتاج الاقتصادي لعصر النهضة.
استنتاجات نقدية تعيد الاعتبار لثورية الفن الشكسبيري
شكسبير في هذه القراءة لم يكن معزولاً عن هذا التحول الاقتصادي؛ فقد كتب لمسرح تجاري يعتمد على شباك التذاكر ويستقطب عامة الناس والطبقات العليا على حد سواء. وبحكم كونه ممثلاً، وكاتباً مسرحياً، ومساهماً له مصلحة مالية مباشرة وعلاقة تبادلية مع الجمهور. وهذه المكانة جعلت من فنه قوة مساهمة في صياغة الوعي الاجتماعي الجديد وتفكيك الأيديولوجيا القديمة.
وفي تحليل مسرحية “تاجر البندقية”، يفكك الكتاب شخصية المُرابي “شايلوك”. حيث يرى ماركس، ويتبعه الظاهر في ذلك، أن الشخصية هي التجسيد الأدبي والتشخيص العبقري للدافع العنيد والوحشي لمراكمة الثروة لدى الطبقة الرأسمالية في طور صعودها الأول. إن شكسبير يظهر وحشية النظام عبر مفارقة عميقة؛ فشايلوك، الذي ينتمي إلى أقلية مضطهدة، يعتقد واهماً أن اندماجه مع مضطهِديه في قمة الهرم المالي وسلوكه الأساليب الرأسمالية ذاتها سيخلصه من التمييز، لكنه في النهاية يقع ضحية لوحشية وغدر النظام القانوني والسياسي الذي صممته البرجوازية لحماية مصالحها الذاتية وتجريد الآخرين من إنسانيتهم.
كما يتضح الأثر التدميري للمال على العلاقات الإنسانية في أبهى صوره التراجيدية. في مسرحية “تيمون الأثيني” يتحول البطل من رجل غني وكريم إلى منبوذ ومفلس، الأمر الذي استثمره ماركس في بناء نظريته حول “صنمية السلعة” واغتراب الإنسان. ويبرز هنا توصيفه للمال، فهو الإله المرئي الذي يمتلك القدرة السحرية على قلب الأشياء وتحويل النقائض إلى أضدادها! وأيضاً هو العاهرة العالمية التي تكسر كل الروابط الإنسانية والطبيعية، وتقلب الأخلاق، وتجعل كل شيء قابلاً للبيع والشراء والمقايضة.
وينتقل الكتاب إلى قراءة تراجيديا “الملك لير” بوصفها بياناً أدبياً عن وحشية المنافسة البرجوازية وتفكيك المجتمع الإقطاعي التقليدي. لقد جعل لير بناته يتنافسن في مزاد علني لإعلان الحب اللفظي مقابل الحصول على حصة من الأرض والثروة.
وكانت النتيجة الحتمية لهذا السلوك، كما يحللها الظاهر، هي تلاشي القيمة الفعلية للمشاعر الإنسانية الصادقة. إذ إن كورديليا التي ترفض الدخول في لعبة التسليع والمزايدة، تُنفى وتُحرم من الميراث، في حين تصعد الأختان غونريل وريغان المدفوعتان بالجشع والانتهازية البرجوازية. وبمجرد استلامهما للسلطة والثروة، تنقلبان على الأب (الملك لير) وتجرّدان الإقطاع القديم من كل هيبته، وتدخلان في صراع دموي مرير ضد بعضهما البعض من أجل الاستئثار بالثروة كاملة. يخلص رضا الظاهر إلى جملة من الاستنتاجات النقدية التي تعيد الاعتبار لثورية الفن الشكسبيري وتجاوزه لعصره. فعلى الرغم من أن شكسبير لم يكن ثورياً بالمعنى السياسي المعاصر، وحملت بعض مسرحياته التاريخية رسائل محافظة تؤيد الاستقرار الملكي والالتفاف حول العرش تفادياً للحروب الأهلية، إلا أن طاقته الفنية والجمالية حملت تأثيراً راديكالياً تدميرياً للأيديولوجيات السائدة، حين فضح فساد الدولة الملكية المطلقة، ودان بجرأة مبكرة العبودية الكولونيالية واضطهاد الآخر.
