لا تبدو أعمال الفنان الألماني أنسلم كيفر مريحة للعين، فهل لأنه ينتمي إلى جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، فهو من مواليد 1945م، ذلك الجيل الذي نشأ داخل سؤال ألماني معقد، وهو كيف يمكن للفن أن يتعامل مع ذاكرة الخراب الأوروبي، ومع آثار النازية، والهولوكوست، والدمار الثقافي الذي خلفته الحرب؟

بهذا الثقل التاريخي الخَرِب في روحه، اتجه كيفر إلى بناء أعمال تبدو كأنها تحمل وزن التاريخ نفسه، من سطوح ثقيلة، داكنة، متشققة.. وبدت لوحاته للناس وكأنها خرجت من حريق قديم أو من بقايا مبنى مهجور، إلى طبقات كثيفة من الطين، الرصاص، الرماد، القش، الإسمنت، وحتى النباتات اليابسة، تتراكم فوق السطح، لتمنح العمل هيئة أقرب إلى أثر أثري منها إلى لوحة تقليدية.

سأله صحفي لماذا يتكرر الرصاص في أعمالك بكثرة؟ تعجب كيفر من سؤاله، لأنه لم يلحظ أنه معدن مرتبط تاريخياً بالحروب، مثل الكيمياء قديماً ارتبط بفكرة التحول إلى الرماد يظهر كأثر للحرق والفناء، والقش إلى الهشاشة والزوال.. كل مادة تحمل ذاكرة ضمنية، حتى قبل أن تتحول إلى جزء من العمل الفني.

كتب النقاد عن لوحاته، بأنك كلما اقتربت من السطح، ستجد أن اللوحة ليست ملساء، بل مليئة بالشقوق والنتوءات، وكأن الزمن مر فوقها فعلياً. أحياناً تبدو الأعمال كخرائط مدمرة، أو حقول محترقة، أو مكتبات انهارت فوق نفسها.. هذه البنية الخشنة تجعل العين لا تكتفي بالمشاهدة، وغالباً ما يقود النظر نحو عمق بعيد، وامتداد يمنح العمل طابعاً ملحمياً، وكأن المشهد أكبر من الإنسان نفسه.

نلاحظ أثناء تأمل أغلب لوحاته، ثمة إشارات إلى الأساطير الجرمانية، والشعر، والفلسفة، والكيمياء القديمة، ما يجعل اللوحة شبكة ثقافية معقدة.. لكن هل قوة أعماله هنا تكمن فقط في مرجعياتها الفكرية؟ وهو الذي نجح في تحويل الخراب إلى لغة تشكيلية، فهل يقدم الدمار هنا حدثاً تاريخياً فقط؟

الحقيقة، لا مناص من القول، إنها حالة إنسانية مستمرة، فهي ذاكرة تتراكم، وتتشقق، وتترك آثارها على المادة نفسها.. لهذا تبدو أعماله أقرب إلى مواقع أثرية للوعي الأوروبي الحديث.. كل طبقة تخفي ما تحتها، وكل مادة تحمل أثر ما مر بها، حتى يصبح السطح سجلاً للزمن، ويتحول الفن إلى عملية تنقيب داخل التاريخ، والذاكرة.

وهذا لا يعني أنه انغمس في همومه الشخصية وهويته الألمانية، وكأنه يرسم لنفسه وذاكرته فقط.. لوحاته تعبر عن مساحات واسعة في العالم، من أجل المساءلة الجماعية، فلا يجب أن ندير وجوهنا للماضي، فالهروب من الكوارث لا يمحيها، لأنها تتراكم في اللاوعي، والأفضل مواجهة الدمار كجزء من الهوية البشرية، وألا نكون سلبيين أو أنانيين، بالمقابل نشارك في التجربة بحواسنا كلها، والإحساس به كاملاً، فالفن فعل القدرة على التعافي بعد المواجهة مع طبقات من التاريخ والأساطير والحكايات القديمة.

وتذكر أن الزمن يسوده النسيان السريع، وهذا الأمر يتكرر مع كل الثقافات، لتبقى المعاناة إنسانية والبحث عن المعنى.. هما خيوط تربط البشرية جمعاء.

 المادة المدمرة ذاكرة وتاريخ لدى الفنان

المادة المدمرة ذاكرة وتاريخ لدى الفنان