رحل عاصي الرحباني قبل أربعين عامًا، لكن المشروع الفني الكبير الذي جمعه بشقيقه منصور والصوت الأسطوري، فيروز، ما زال حيًّا في الذاكرة والحاضر العربيين، بأغنيات ومسرحيات أصبحت جزءًا لا يتجزأ من تاريخ الفن اللبناني.
لم يكن عاصي الرحباني ملحنًا فقط، بل كان كاتبًا ومسرحيًّا وصاحب رؤيةٍ فنيةٍ أسهمت في رسم ملامح الأغنية اللبنانية والعربية الحديثة، كما قدم نموذجًا جديدًا للمسرح الغنائي العربي.
ولد عاصي الرحباني في بلدة أنطلياس شمالي بيروت لوالديه حنا الرحباني وسعدى صعب في الرابع من أيار/ مايو عام 1923. كبر عاصي بين القرية والجبل، وحفظ حكايات جدته وأشعارها الشعبية التي رافقت أعماله لاحقًا.
وبدأت علاقته بالموسيقى مع آلة البزق في مقهى “الفوار”، الذي كان يديره والده، ثم تعلم الموسيقى على يد الأب بولس الأشقر، قبل أن يتابع دراسته مع الموسيقي الفرنسي برتراند روبير.
مئات الأغنيات والأعمال المسرحية
عمل عاصي الرحباني في بداية حياته في سلك الشرطة البلدية، لكن شغفه بالموسيقى قاده إلى الإذاعة اللبنانية حيث بدأ مشواره الفني مع شقيقه منصور.
وهناك التقى بنهاد حداد التي أصبحت “فيروز”، لتبدأ الشراكة الرحبانية الكبرى.
وقد أسفرت هذه الشراكة عن ولادة أغانٍ مكثفة نقلت الأغنية العربية من التطريب الكلاسيكي إلى الدراما الموسيقية السريعة؛ فوزع عاصي الألحان الشرقية بأدوات أوركسترالية غربية، وحوّل الفلكلور على يديه إلى لغةٍ فنيةٍ حديثة.
ومن بين مئات الأغنيات التي كتبها ولحنها مع منصور، حضرت القرية والذاكرة في أعمالٍ كثيرة مثل “بكتب اسمك يا حبيبي” و”نسم علينا الهوى”، كما حضر الوطن في “بحبك يا لبنان”، فيما ارتبطت “زهرة المدائن” بمدينة القدس لتغدو رمزًا فنيًّا للقضية الفلسطينية.
وفي مسرحيات مثل “بياع الخواتم” و”هالة والملك” و”صح النوم” و”ميس الريم”، برزت القرية أو المدينة في الخيال العام كبطلة؛ فمن المختار والدركي إلى بائع الخواتم، رسم عاصي ومنصور صورةً للبنان امتزج فيها الواقع بصورة الوطن المتخيَّل، وطُرحت أسئلة العدالة والحرية والسلطة.
عاصي الرحباني أحد صناع الهوية الفنية اللبنانية
هكذا تحوّل الطفل الذي كبر في أنطلياس إلى أحد صناع الهوية الفنية اللبنانية، تاركًا هو ومنصور وفيروز مئات الأغنيات وأكثر من 20 مسرحية غنائية، وأعمالاً إذاعية وسينمائية لا تزال حية.
ويشير الباحث الموسيقي أكرم الريس في حديث إلى “العربي 2” من بيروت، إلى أن حضور عاصي الرحباني باق رغم مرور 40 عامًا على رحيله، مؤكدًا أن أغنياته لا تزال حية.
ويلفت إلى أن النموذج الجديد الذي قدمه عاصي الرحباني في السينما الغنائية، والذي كثف العنصر الزمني، حصد قبولًا لدى الجمهور، إذ لم تعد الأغنية تمتد لست دقائق، بل اقتصرت على ثلاث دقائق فقط.
ويؤكد الريس أن القرار الذي اتخذه عاصي ومنصور بالعمل معًا، رغم وجود معطيات أو توجهات مختلفة بينهما أحيانًا، كان قرارًا أساسيًّا ومحوريًّا. ويقول: “لا شك أن هذه الشراكة هي أحد أسرار هذا المسار الإبداعي، يضاف إليها انضمام فيروز”.
“الفرقة الشعبية اللبنانية”
الريس يشيد بتوجه عاصي ومنصور نحو “المأسسة” منذ المراحل الأولى؛ إذ أسسا “الفرقة الشعبية اللبنانية”، وتعاملا مع مجموعة كبيرة من الفنانين مما ساهم في إنجاح الأعمال الفنية وصناعة الهوية الرحبانية.
شكّلت ثلاثية فيروز والأخوين الرحباني ظاهرة فنية – غيتي
ويلفت الريس إلى أهمية الدعم الذي قدّمه لهما المخرج والمدير الفني صبري الشريف، مردفًا أن هذا التكامل بين الأفراد وجو المؤسسة كان عنصرًا حاسمًا في النجاح وصناعة هذه الهوية.
كذلك، ينوّه الريس بقدرة عاصي الرحباني الدائمة على خلق عوالم جديدة، ونجاحه في الموازنة بين قيادة السفينة وبين أن يكون جزءًا من مجموعة كبيرة في المسرح.
ثالوث فني وعائلي
ويرى الريس أن موهبة فيروز انصهرت في سياق تكاملي مع عاصي ومنصور الرحباني. وتحولوا إلى ثالوث فني متماسك ما لبث أن تحول إلى ثالوث عائلي بزواج عاصي وفيروز.
وفي قراءته لطبيعة العلاقة الفنية بين عاصي وزياد الرحباني، يشير الريس إلى أن أثر عاصي كان حاضرًا وملموسًا منذ البدايات عندما احتضن موهبة ابنه مبكرًا؛ إذ كان ينتبه بدقةٍ لما يعزفه الطفل ويتأكد من أصالة ألحانه ونغماته الخاصة.

ويضيف الريس أن وعي زياد تفتّح في بيئةٍ عائليةٍ فياضة بالنغم والحوار الفكري، مما جعل تفاعله معها فريدًا وقائمًا على أخذ مسافةٍ نقديةٍ تتيح له الاقتراب والابتعاد.
ويؤكد أن كلمة “امتداد” دقيقةً جدًّا في هذا الإطار، لأن زياد لم يكن مجرد تكرارٍ لتجربة أبويه وعمه، بل انطلق من تلك الأرض الخصبة ليصنع خصوصيته المستقلة، واصفًا تجربته بأنها تجسيدٌ لمعادلة “الوصل والقطع” والاستمرار والاختلاف الواعيين في آنٍ واحد.
