حقّق فيلم “Obsession” أو “الهوس” (2025) حضوراً جماهيرياً لافتاً، نظراً إلى قصّته الغريبة وعمق موضوعه، ومعالجته بطريقة مبتكرة شؤوناً نفسية تتعلّق بجيل الشباب الحديث في العالم، وإن اتخذ الفيلم الحالة الأميركية نموذجاً، وما يواجهه هذا الجيل من عزلة وانغلاق وكبت للمشاعر، واللجوء إلى أقرب الوسائل الناعمة لمعالجة فراغه وتحقيق أمنياته.
أدّت الممثّلة الشابة إندي نافاريت دور “نيكي” في الفيلم، فقدّمت أداءً أقلّ ما يقال عنه إنّه أداء عالٍ في دور صعب، بسبب طبيعة الشخصية المتقلّبة بين عاطفة الحبّ والعشق، من جهة، والصدمة والكراهية من جهة أخرى. شاركها في معظم المشاهد الشاب مايكل جونسون، في دور “بير”، والفيلم من إخراج كاري باركر، وهو مخرج شاب عُرف بكتابة سيناريوهات من هذا النوع من الأفلام النفسية التي تلامس شؤون الشباب الأميركي وإخراجها، وإن بطرق تميل إلى الإثارة النفسية والعاطفية.
تتمثّل الثيمة الخفية للفيلم في الخجل والخوف من إفشاء المشاعر والتظاهر بعكسها لدى الشباب، ما دفع “بير” إلى اللجوء إلى ما يشبه الشعوذة، باقتنائه ما سُمّي “صفصافة الأمنيات”، وهي لعبة تُكسر مرّةً واحدةً لتحقق أمنيةً واحدة لا غير. يخجل بير من البوح لزميلته في العمل، “نيكي”، بمشاعره تجاهها، من دون أن يعلم أنّها متعلّقة بشابّ آخر، وهو زميل لهما في متجر الأدوات الموسيقية نفسه.
يلجأ الشاب إلى لعبة الأمنيات هذه، ويبوح للعبة بأمنية “أن تغرم نيكي بي وحدي فقط، ولا تحبّ أحداً غيري”. لم يكن “بير” يعلم أنّ الأمنية يمكنها أن تتحقّق بهذه السرعة الشديدة. وفي لحظة كان فيها يوصل زميلته “نيكي” إلى بيتها، وعند تحقّق هذه الأمنية مباشرة، عادت “نيكي” إلى سيّارته من دون أن تدخل إلى بيتها، وقد قرّرت أن تعيش معه. لا يصدّق “بير” أنّ الأمنية تحقّقت بهذه السهولة ومن دون عناء.
هنا يبدأ الصراع العنيف عند “نيكي”، بين رغبة جديدة مفتعلة ومفروضة بفعل السحر، ورغبتها الحقيقية المتعلّقة بألّا تبادل زميلها “بير” أيّ مشاعر حبّ. عليها، إذن، أن تحبّه قسراً بفعل السحر، وهو ما ترفض روحها أن تخضع له. ليدخل الفيلم في صراع مرير، وكان إتقان الممثّلة الشابّة نافاريت للدور جليّاً، إذ تطلّب الدور أن تعيش أقصى أنواع المشاعر المتناقضة والحادّة، بين حبّ مفروض ورغبة مستحيلة في الخلاص، فهذه الأمنية، بعد أن تتحقّق، لا رجوع عنها إلا بموت صاحب الأمنية.
وحين يعجز “بير” عن التفاعل مع “نيكي” وتهدئتها، يتّصل بالشركة التي صنعت هذه اللعبة اللعينة، ولكنّها تصدمه بأنّه لا مفرّ الآن، ولا إمكانية للعودة إلى الوراء، وعليه إمّا أن يصبر على مصيره أو أن يجد طريقةً لإنهاء حياته شابّاً.
في بعض مشاهد الفيلم، تعود “نيكي” إلى وعيها، وتكتشف أنّها وقعت في حبّ خارج إرادتها، فتبدأ بإيذاء نفسها بالضرب وإسالة الدماء من رأسها وجسدها، وتدخل في نوبات هستيريا وصراخ، ما يدلّ على المجهود العالي الذي بذلته الممثّلة الشابّة في الدور النفسي المركّب في الفيلم. ولكن، في فقرات أخرى، حين يبدأ مفعول السحر، تعود فتاةً طبيعيةً تبادل شريكها المحبّة والألفة. الأمر الذي جعل “بير” يعيش صراعاً مريراً، من دون أن يتمكّن من التخلّي عن حبيبته. لا يستطيع أن يفقدها، ولكنّه في الوقت نفسه لا يحتمل تقلّباتها الحادّة التي نغّصت عليه حياته. وهذا الأمر، وإن عالج راهن الحياة العصرية بين الشباب، إلا أنّه عالجه بطريقة حادّة تقتضي أحياناً اللجوء إلى فقرات عنيفة ودموية، ربّما هي الوجه الباطني والخفي لهذه المشاعر في أقصى تجلياتها.
يطرح الفيلم بُعداً آخر، أنّ الشباب صاروا رهناً لإرادات وأطماع اقتصادية خفيّة، تتسلّل إليهم عبر أكثر من وسيلة، ولا سيّما عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة. الشركات الخفيّة الثرية التي تدير شؤون التواصل والاتصال تغدو مسؤولةً عن الضياع الذي يعيش فيه الجيل الحالي من شباب العالم، وهذه الشركات ذات الربح السريع لا تهتم بأيّ قيمة سوى المال، ما جعل، مثلاً، الشاب الأميركي إيلون ماسك يتبوأ موقعاً بين أثرى الأثرياء وأكثر الناس نفوذاً.