يواصل الدكتور الأردني خليل الشيخ، اشتغالاته في النقد والترجمة بدأب وجهد عميقين، وهو أستاذ جامعي في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وباحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة عام 1986 من جامعة بون/ ألمانيا، وعمل أستاذاً زائراً في جامعات عديدة. 

ود. خليل الشيخ نشر ما يزيد على خمسة وعشرين بحثاً علمياً محكماً، والعديد من الدراسات النقدية في الأدب المقارن والنقد الأدبي والرواية والسيرة الذاتية، كما ترجم الكثير من الدراسات النقدية والفكرية والأعمال الإبداعية عن اللغة الألمانية، إضافة إلى ترجمته عشرات النصوص الخاصة بالأطفال والناشئة، مثل: “يوميات كافكا” ورواية “يومها كان الثعلب هو الصياد” للروائية الألمانية هيرتا موللر الحائزة على جائزة نوبل، ورواية إنجو شولتسه “آدم وإيفلين” إضافة إلى كتاب الباحث الألماني غوستاف سايبت “غوته ونابليون” وكتاب “ما بعد اليوتوبيات” للناقد الألماني هيلموت بوتيغر.

ضمن هذا السياق، صدر للدكتور خليل الشيخ كتاب نقدي جديدة حمل عنوان: “سرديّة محمود درويش الشعرية.. دراسة في تشكلات القصيدة وتحولاتها” كتاب نقدي مختلف عما صدر من كتب نقدية حول الشاعر الراحل درويش، لما أختاره الناقد د. الشيخ من قضايا ثقافية وفنية في سردية دوريش الشعرية من تجليات شعرية وتحولات في التشكيل الفني منذ أعماله الأولى وصولا إلى أعماله اللاحقة.

فكانت أولى هذه الدراسة كما يشير د. خليل في التمهيد للكتاب، قراءة سردية محمود درويش الشعرية (1941-2008)، منذ “عصافير بلا أجنحة “الصادر عام 1960(الذي حذفه درويش من تاريخه الشعري) إلى” لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي” الذي صدر بعد عام من وفاته، وهي سردية بدأت من أفق بسيط لتنتهي إلى أفق شديد التركيب، يبني رموزه ولغته وجمالياته ويطور مجازاته ودلالاته ويوسع آفاق التلقي الخاص به.

صدر لدرويش اثنان وعشرون ديوانا شعريا، وأحد عشر عملا نثريا، فضلا عن “خطب الديكتاتور الموزونة” التي لم تتضمنها أعماله الشعرية الكاملة (لأنها في نظره خطب موزونة) ولو تمّ توزيع دواوينه، بحسب سنوات صدورها، لتبيّنا وجود أربعة دواوين تنتمي إلى عقد الستينات هي: أوراق الزيتون، عاشق من فلسطين، آخر الليل، العصافير تموت في الجليل، وخمسة تنتمي إلى عقد السبعينات هي: حبيبتي تنهض من نومها، أحبك أو لا أحبك، محاولة رقم 7، تلك صورتها وهذا انتحار العاشق، أعراس. وأربعة تنتمي إلى عقد الثمانينات هي: مديح الظل العالي، حصار لمدائح البحر، هي أغنية، هي أغنية، ورد أقل. وأربعة صدرت في عقد التسعينات هي: أرى ما أريد، أحد عشر كوكبا، لماذا تركت الحصان وحيدا، سرير الغريبة. وخمسة صدرت في بداية الألفية الثالثة هي: جدارية، حالة حصار، لا تعتذر عما فعلت، كزهر اللوز أو أبعد، لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي. بمعنى أن درويش كان يصدر ديوانا كل عامين. 

ويذكر د. الشيخ بأن ديوان درويش “عصافير بلا أجنحة” يحوي بعض ملامح من حياة شاب ريفي، تفتحت عيناه على واقع شعبه وما يعانيه، لهذا جنح نحو عنوان يعكس الشعور بالضعف، فقد كان يصعب على فلسطينيّي عام 1948 التواصل مع العالم العربي، الذي أسدل عليهم ستائر النسيان، فصاروا عصافير بلا أجنحة، وسيقوم درويش بتطوير هذا العنوان عام 1969 ليصبح ” العصافير تموت في الجليل”.

وكما يؤكد خليل الشيخ أن قصيدة درويش بدأت تتشكل في حيفا وتتغيير، لم تتغير البنية أو اللغة كثيرا، لكنّ المحتوى، بتأثيرات ماركسية، اعتراه القليل من التغير. وهذه التأثيرات تبدت في قصيدته الشهيرة ” بطاقة هوية” (1963) التي تجمع البعدين النضالي والطبقي، أما العروبة فيحتمي المتحدث بذاكرتها الثقافية خشية فقدان الهوية. لكنّ ” عاشق من فلسطين” (1966) تمثّل وعي درويش بفلسطين ونكبتها وحاضرها، وسعيه لبناء رمزية خاصة بها.  وقد بدأ وعي درويش الشعري ينمو وأدواته تتطور وإن ظلت رموزه قريبة، ومرجعياته الشعرية تمتح من الشعرية العربية الحديثة، ومن الشعر الملتزم تحديدا. 

ويبن د. الشيخ في بالدرس النقدي الجاد في الفصل الخاص الذي يعاين فيه سرديات “الماضي في الحاضر” حيث يتوقف عند حضور الشعرية العربية في نصوص درويش، وجدله معها وتشكلاتها ومنظوره الشعري وهو يوظف امرأ القيس وجميل بثينة ومجنون ليلى وأبا الطيب المتنبي وأبا فراس الحمداني، والمعلقات والطللية والأندلس.  وكان امرؤ القيس الأكثر حضورا لمقدرته على الجمع بين الشعري والسياسي، لما تنطوي عليه شخصيته من أبعاد وتحولات وملهاة ومأساة، فتوظيف درويش له يجمع بين النرجس والفضة. أما الأندلس فهي قضية بذاتها وأخرى بطريق المماثلة. وقد أفرد درويش ديوان ” أحد عشر كوكبا”، لرسم خروج العرب من الأندلس، وكانت سردية الخروج من الأندلس لحظة مأساوية، ومن اللافت أن درويش كتب وهو يزاوج بين لحظتين متشابهتين في الماضي والحاضر: ” إنّ هذا السلام سيجعلنا حفنة من غبار” ثم عدّل الجملة لتصبح:” إنّ هذا الرحيل سيجعلنا حفنة من غبار”، فالرحيل هو صنو الموت والفناء. 

ظلّ درويش،” ابن الساحل السوري”، الذي لا يعرف الصحراء العربية وثيق الصلة بها، لأنّه نبت على جوانبها كلاما بقيت الصحراء مصدرا للإلهام كما في ” قال المسافر للمسافر لن أعود”:

وفي الصحراء قال الغيب لي
أكتب
فقلت: على السراب كتابة أخرى
فقال: أكتب ليخضر السراب
فقلت: ينقصني الغياب
وقلت: لم أتعلم الكلمات بعد.
فقال لي : أكتب لتعرفها
وتعرف أين كنت، وأين أنت
وكيف جئت، ومن تكون غدا
ضع اسمك في يدي واكتب
لتعرف من أنا، واذهب غماما
في المدى
فكتبت: من يكتب حكايته يرث
أرض الكلام ويملك المعنى تماما.

ويؤكد في قراءته د. الشيخ أن السرود الكبرى توظف لبناء الهوية وتأكيدها. ولمّا كانت ثمة سرديتان تتصارعان حولها، تشمل كلّ سردية الحضارة والتاريخ واللغة الخاصة بأهلها، فقد أعلت القصيدة من دور الكتابة وجعلتها شرطا لوراثة أرض الكلام وامتلاك المعنى، و ظلّ درويش يكرر : ” أنّ الأرض تورث كاللغة” .لهذا  لم يكن غريبا أن يقول العربي في ” قافية من أجل المعلقات” :” أنا لغتي أنا” ويراها  معجزة  توازي تلك التي قدمتها الحضارات الأخرى. 

ويبّين د. الشيخ في الفصل الخامس بأنه قد توقف عند سرد الشخصيات أولئك الذين أثمر غيابُهم حضورَهم في   قصائد درويش، وبذلك تكون هذه السرود قد فارقت الأنماط والنماذج التي عرفها شعر درويش، إلى عالم الشخصيات الحية. وقد بدا درويش سرد الشخصيات في ” أعراس” الصادر عام 1977، وانتهي في ” لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”. والشخصيات العشر التي توقف عندها في دواوينه هي: إبراهيم مرزوق، راشد حسين، عز الدين القلق، وائل زعيتر، امل دنقل، يانسيس ريتسوس، إميل حبيبي، نزار قباني، سليم بركات، إدوارد سعيد. وقد امتاز درويش بتقديم شخصياته على نحو يكشف عن روح الشخصية ومفتاحها وأبرز إشكالاتها. فقصائد الشخصية ذات بنية مركّبة، تنبني على انتقالات زمنية ومكانية، وتحوي وصفا يتجرد من العاطفة أحيانا، يقوم على الومضات الغنائية الجارحة والحركة الطليقة والحوار الحي والجمع بين البراءة، والتجربة، والماء، والنار. 

وكما توقفت الدراسة عند سردية الذات وسردية الآخر، كتطور وعي الشاعر بذاته وهو مفهوم مركزي في حياة درويش، وتصويره للحظة ميلاده، وتطور تمثيلات الأب والأم التي انتقلت من البساطة إلى التركيب ومن الغنائية إلى استدعاء الأسطورة كما في قصيدة ” رب الأيائل يا أبي ربها” وقد اختصر درويش ذاته وأمه وأباه بثلاثة مجازات: فقلبه مثقوب بالعنقاء، وقلب أمه مثقوب بالطاووس وقلب أبيه مثقوب بالصبّار.

كما تتوقف الدراسة في سياق سردية الآخر، عند ريتا وتحوّلاتها التي بدأت في ديوان “آخر الليل” وانتهت في “أحد عشر كوكبا”، وعند شولميت، الشخصية الشارحة لريتا، وقد بدت ريتا بسيطة ومركبة، أرضية وصوفية، واقعية ومتعالية، متسامحة ومتعصبة ممكنة ومستحيلة. 

كما يبين لنا الفصل حضور الجندي بدءا من ذلك الذي يحلم بالزنابق البيضاء، مرورا بسيمون شبيهه ونقيضه في ” كتابة على ضوء بندقية “وانتهاء بصورة الجندي، في مواقف عديدة، يظهر فيها على حقيقته.  لذا يخاطبه درويش في ” حالة حصار”: ما هكذا تستعاد الهوية”، ليبين أن دور الضحية الذي يختبئ خلفه يتناقض تماما مع سلوكياته.

 فيما يتوقف الفصل الأخير عند سردية الرحيل، كما تبدت في جدارية درويش وفي “لا عب النرد”، ويقرأ هاجس الموت، ويبدأ بموت الشهداء وموت الأصدقاء، ثم يوضح كيف بدأ شعور درويش بموته يتبلور ويأخذ أبعادا متنوعة منذ أن تمرد قلبه عليه كما جاء في “أنا العاشق السيء الحظ”. 

ويذكر د. بدرسه النقدي الجاد في كتابة بأن درويش فكّر في منتصف ثمانينات القرن الماضي، بكتابة سيرة البيوت التي عاش فيها، كما كتب في الرسائل التي تبادلها مع سميح القاسم، وقد كتب له، ببراءة شديدة، أن من حقه أن يعود إلى بيته في الوطن في الوقت الذي يقرره، لأنه لا أحد يستطيع أن يمنع طفلا من الرجوع إلى البيت عندما ينتهي اللعب!  لكنّ درويش لم يكتب هذه السيرة، وظل البيت متجذرا في قصيدته. ومن اللافت أن درويش ظلّ يربط بين الشخصيات التي تحدث عنها والبيت، كما فعل مع أبيه وأمه ومع أمل دنقل، وسليم بركات ونزار قباني ونيرودا وريتسوس بل مع الجندي الذي كان يحلم “بمنزل مغرّد وشارع مضاء”، ثم صار البيت كائنا حيا يموت إذا غاب أهله، لهذا يطلب من كل من له بيت أن يفكر بغيره”وانت تعود لبيتك فكّر بغيرك” وكان درويش وهو يتأمل ماضيه يطل “كشرفة بيت على ما يريد”.

وكما يذكر بأن درويش عاش  في حيفا وموسكو والقاهرة وبيروت وتونس وباريس وعمان ورام الله الكثير من التحولات المفصلية التي كانت لها تأثيرات في شعره وفي حياته. فقد حضر نهر النيل في قصائده وكانت إيقاعات المتنبي وأمل دنقل وراشد حسين تمتزج بالنيل وتعبّر باختلافاتها عن تلك التحولات، لكن النيل هو من يمنح الهوية ” أنا ابن النيل وهذا الاسم يكفيني”. ارتبط النهر في تاريخ البشرية بقيام حضارات حوله، لكن العلاقة بين النهر والبحر تقوم على التفاعل والاندماج، وإذا كانت القاهرة ترتبط بالنيل، ودمشق ببردى وبلاد ما بين النهرين بدجلة والفرات، فإن بيروت ترتبط بالبحر المتوسط. لهذا افتتح درويش قصيدة بيروت بوصفها: ” تفاحة للبحر. وظلت بيروت ترتبط بالبحر، وكان الخروج منها عام 1982، يشبه ملحمة إغريقية. أما باريس فيرى درويش أنّ ولادته الشعرية الحقيقية تمت فيها، ففيها كتب “ورد اقل” و “هي أغنية” و”أحد عشر كوكبا” و” أرى ما أريد “و” لماذا تركت الحصان وحيدا” وقسما من ” سرير الغريبة” و” كتاب ذاكرة للنسيان”.

لقد سعى الناقد د. خليل الشيخ بحثه لدراسة السردية الشعرية عند درويش، لتبيّن السمات الكبرى لها، والنظر لشعره بوصفه مشروعا ناميا، متجددا، ومتحولا، لا ينبغي التركيز على جانب دون آخر فيه، بل ينبغي أن يجري البحث في النصوص لاكتشاف ذلك التحول والتنوع ومحاولة اكتشاف الخيط الذي ينتظم هذه التنوعات والاختلافات، وكان من الضروري، في ضوء ذلك، قراءة هذا العالم الشعري المتعدد، المتباين، والتوقف عند التفصيلات لبلورة المنظور الشعري. ففي سردية الخروج جرى التقاط مجموعة من القصائد تمثل تحولات في المنظور وفي بنية النصوص وفي الحدث وفي المكان لرصد لحظات الخروج وما شابها من توتر وما انطوت عليه من معاناة. 

لقد دأب درويش على الشكوى من بداياته الشعرية، وكان لا يحب التأمل فيها، ثم خلص إلى أن عليه أن ينظر إلى تاريخ قصيدته كما يتأمل أي ظاهرة تنمو، وأن عليه أن يسعى لبلوغ مرحلة الشعر الصافي.

ويلفت النظر في دراسته بأنها قد ابتعدت عن القراءة السياسية لشعر درويش،  وعن النظرة الوثائقية  لهذا الشعر،  التي تماهي بين الشعر والسردية التاريخية الفلسطينية، وحرصت على أن تجمع القراءة بين البعد الفني الذي ينفذ إلى طبقات المعنى، ويسبر الجوانب الجمالية والاجتماعية، دون أن يقع في التأويل السياسي للشعر، كما حاولت من خلال تنامي الفصول وتشعبها أن تكشف عن انتقال سردية درويش من المونولوغ إلى الديالوغ ومن الوضوح إلى الغموض ومن قصيدة البطولة إلى شعر الشخصية التي تجمع بين القوة والضعف والصلابة والانكسار وتذهب نحو الهامشي واليومي والعادي، بعيدا عن الادعاء والصوت الجهير.. 

ويذكر د. خليل بأنه عايش سردية درويش الشعرية سنوات طوالا، لكن الكتابة عن شعر درويش، تختلف عن قراءته أو التعليق على قصيدة له. فأعمال درويش الشعرية تستنزف الدارس لما تنطوي عليه من كثافة وتركيب وتنوع وقدرة على التجدد.