عمان – الدستور – عمر أبو الهيجاء
ترى الناقدة والأكاديمية الدكتورة رزان إبراهيم أن الذكاء الاصطناعي، على الرغم من كونه كيانًا غير واعٍ، يمتلك قدرة فاعلة على مستوى الخيال القائم على الخوارزميات، مؤكدة أن ما يقدمه من لغة نقدية مصقولة وأبعاد تفسيرية ثرية يستند إلى قاعدة بيانات واسعة يتدرب عليها، لكنه يظل مفتقرًا إلى الوعي الإنساني والتجربة الشعورية التي تمنح الأدب والنقد عمقهما الحقيقي.
وتواصل «الدستور» فتح ملف النقد الأدبي والتحولات التي فرضها العصر الرقمي، وما أحدثه الذكاء الاصطناعي من تأثيرات في الحياة الثقافية والفنية، في ظل اتساع حضوره واعتماد كثيرين على أدواته المعرفية، مقابل تساؤلات متزايدة حول غياب الحس الإنساني والوجدان في مخرجاته.
وفي الحلقة الخامسة من هذا الملف، تحدثت الدكتورة رزان إبراهيم عن مستقبل النقد الأدبي والإبداع في ظل التطور العلمي المتسارع، ورؤيتها للتحولات التي يشهدها الأدب والنقد، مقدمة قراءة نقدية وفكرية معمقة لهذه الظاهرة.
وقالت إن الأدب والنقد، وسائر مجالات الإبداع، من أكثر الحقول التي شهدت تغيرًا في آليات الإنتاج والتلقي منذ بروز الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن كثيرًا من الأدباء والنقاد باتوا منشغلين بما يمكن أن تحدثه هذه التقنيات من تحولات جوهرية في المشهد الثقافي. وأضافت أن الحكمة تقتضي فهم هذه الظاهرة والإحاطة بتطوراتها قبل اتخاذ موقف منها، لأنها أصبحت واقعًا يفرض حضوره على الجميع.
وأوضحت أن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرات كبيرة يمكن أن تسهم في إنجاز المهام العقلية وتخفيف ضغوط العمل، إلا أن ذلك يقابله قلق مشروع بشأن مستقبل الكتابة الإبداعية، واحتمال تراجع حضور الكاتب البشري، الأمر الذي يستدعي من الأدباء والنقاد تأسيس آليات جديدة للتعامل مع هذه التحولات وإعادة التفكير في مستقبل الدراسات الأدبية.
وحول النصوص الإبداعية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، أكدت أنها تمثل تحديًا للتصور التقليدي الذي حصر التأليف في الإنسان، موضحة أن هذه الأنظمة، رغم افتقارها إلى الوعي، قادرة على إنتاج نصوص اعتمادًا على خوارزميات تتعلم من مدونات أدبية واسعة. لكنها شددت على أن ذلك لا يلغي مخاوف تتعلق بغياب التجربة الشخصية، وقصدية المؤلف، والنية الإنسانية الواعية، وهي عناصر تعد، في نظرها، ركائز أساسية للإبداع الأدبي.
وأضافت أن الذكاء الاصطناعي يعيد إنتاج البنية الأدبية، لكنه يفتقد سمة جوهرية في الأدب، تتمثل في الصدق والعمق العاطفي، متسائلة: «هل ستؤثر معرفتنا بأن القصة كتبها الذكاء الاصطناعي في قدرتها على التأثير فينا؟». وأجابت بأن تفاعلها مع نص ينتجه الذكاء الاصطناعي سيختلف حتمًا عن تفاعلها مع نص يصدر عن تجربة إنسانية.
وفي حديثها عن أثر الذكاء الاصطناعي في النقد الأدبي، أوضحت أنه يمتلك مستوى عاليًا من الاحتراف، يعود إلى قدرته على التحليل الإحصائي، وإتقان المناهج النقدية، وربط النصوص بقضايا اجتماعية وفكرية متعددة، فضلًا عن تمتعه ببنية منطقية متماسكة، ولغة نقدية مصقولة، وأبعاد تفسيرية ثرية، مستندًا إلى قواعد بيانات ضخمة يستطيع معالجتها بسرعة تفوق الإنسان، بما يمكنه من اكتشاف علاقات قد لا تكون ظاهرة للقارئ أو الناقد.
وأضافت أن هذه الإمكانات قد تدفع بعضهم إلى استبدال أساليب الكتابة النقدية التقليدية بأدوات الذكاء الاصطناعي، غير أنها شددت على أن النقد الأدبي، مهما بدا عقلانيًا وتحليليًا، يظل قائمًا على التجربة الإنسانية والانفعال الوجداني، وهو ما لا تستطيع الآلة محاكاته بصورة كاملة، مهما بلغت دقة خوارزمياتها في تحليل العواطف.
وأشارت إلى أن دراسات مقارنة بين تحليلات بشرية وأخرى أنجزها الذكاء الاصطناعي كشفت قصوره في تقديم تفسير عميق للمعاني النفسية والثقافية، وعجزه عن التقاط السخرية، والدلالات الضمنية، وفهم النصوص في سياقاتها التاريخية والإيديولوجية، مقارنة بالناقد البشري.
وأضافت أن الذكاء الاصطناعي، لافتقاره إلى الوعي والإرادة، يعيد في كثير من الأحيان إنتاج مركزيات ثقافية وتحيزات جنسانية وعرقية واجتماعية كامنة في البيانات التي تدرب عليها، والتي يغلب عليها الطابع الغربي، الأمر الذي قد يؤدي إلى تهميش الآداب المحلية وتشويه تمثيل الثقافات غير الغربية. ودعت، في هذا السياق، إلى بناء قواعد بيانات عربية ومحلية تضمن تمثيلًا أكثر توازنًا للتنوع الثقافي.
وأكدت أنه حتى إذا سلمنا بأن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا جمالية جديدة، فإن الحديث عن مرحلة ما بعد إنسانية تقوم على التكامل بين البصيرة البشرية والذكاء الآلي يصبح ضروريًا، خاصة أن الدراسات تؤكد أن الذكاء الاصطناعي لا يزال بعيدًا عن إنتاج تحليل مثالي خالٍ من الأخطاء، مما يجعل المراجعة البشرية شرطًا أساسيًا لضمان الدقة.
وأضافت أن هذا التعاون يثير أيضًا إشكالية الأصالة الفكرية، في ظل غياب تشريعات تعترف بالتأليف المشترك بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، إذ لا يزال مفهوم التأليف، قانونيًا وفلسفيًا، مرتبطًا بالقصد الإنساني الواعي.
واختتمت الدكتورة رزان إبراهيم حديثها بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي «سيف ذو حدين»، فهو ليس خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا، وإنما أداة تمتلك إمكانات هائلة، لكنها قد تنطوي على مخاطر معرفية وأخلاقية إذا أسيء استخدامها. ورأت أن نجاح هذه التقنية مرهون بطريقة توظيفها، بوصفها شريكًا مساعدًا يعزز عمل الإنسان، لا بديلًا عنه، ولا سيما في مجالات القراءة والنقد والإبداع.
جميع الحقوق محفوظة.
لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.