نتنياهو في القدس المحتلة، 15 يونيو 2026 (فرانس برس)
تقول إسرائيل إنها حققت العديد من أهدافها العسكرية والأمنية خلال الحروب التي شنّتها في المنطقة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. ويتفاخر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه غيّر الوضع الاستراتيجي لإسرائيل منذ إخفاق السابع من أكتوبر، حتى أنه غيّر الشرق الأوسط. إلا أن إسرائيل، رغم ما تدّعيه من إنجازات عسكرية وأمنية، لم تترجم أيّاً منها إلى صورة انتصار واضحة للرأي العام، أو إلى اتفاق يعكس المكانة الجديدة التي تسوّقها الحكومة والمؤسستان الأمنية والعسكرية. كما لم تحسم أو تغلق ملفات أساسية، مثل تغيير سلطة “حماس” في غزة بشكل نهائي، أو القضاء على القدرات العسكرية لـ”حزب الله”، أو انهيار إيران وتفكيك مشروعها النووي بالكامل. في ظل هذا الواقع، جاء اتفاق لبنان وإسرائيل في 26 يونيو/حزيران الماضي، برعاية الإدارة الأميركية في واشنطن. وترى إسرائيل أن الاتفاق يحقق أهدافها في لبنان إلى حدّ بعيد، ويتيح لها استمرار احتلال أراضٍ واسعة في جنوب لبنان بموافقة الحكومة اللبنانية والإدارة الأميركية، ومواصلة محاربة “حزب الله” والعمل على منعه من ترميم قدراته العسكرية، إلى أن تنزع الحكومة اللبنانية سلاحه. كما تفرض على الجيش اللبناني مهمة نزع سلاح “حزب الله”.
لم تُقنع خطابات نتنياهو وتسويق الاتفاق، الإعلام الإسرائيلي ولا المجتمع، بأن إسرائيل حققت بالفعل انتصاراً، أو أنها تتجه نحو تحقيقه
تعمل الحكومة الإسرائيلية على تسويق الاتفاق بوصفه صورة من صور النصر، بعد خيبات الأمل الناجمة عن وقف إطلاق النار في الحرب على إيران ولبنان، من دون تحقيق أيّ من الأهداف الاستراتيجية للحرب، ومع تدخّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مايو/أيار الماضي، لمنع إسرائيل من توجيه ضربات جوية إلى إيران. بل إن رئيس الحكومة الإسرائيلية كسر قدسية ليلة الجمعة في الديانة اليهودية، ونشر مقطع فيديو قصيراً للترويج للاتفاق وتسويقه أمام الجمهور بوصفه إنجازاً وانتصاراً، وللتأكيد أنه يشكل مساراً لإخراج إيران من المعادلة اللبنانية ومحاصرة “حزب الله”. ومن خلال هذا الفيديو، أراد نتنياهو، أولاً، استباق أي انتقادات للاتفاق؛ وثانياً، ربط هذا الإنجاز باسمه شخصياً؛ وثالثاً، استغلال اتفاق لبنان وإسرائيل في الحملة الانتخابية التي افتتحها عملياً مساء السبت، 27 يونيو الماضي، عبر لقاء خاص مع الصحافيين بشأن الاتفاق مع لبنان. وقد أراد نتنياهو الاستفادة من الاتفاق إلى أبعد الحدود. لكن على أرض الواقع، لم تُقنع خطابات نتنياهو وتسويق الاتفاق الإعلام الإسرائيلي ولا المجتمع، بأن إسرائيل حققت بالفعل انتصاراً، أو أنها تتجه نحو تحقيقه. فثمة علامات استفهام كثيرة حول الاتفاق وإمكانية تنفيذه، سواء في وسائل الإعلام أو لدى شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي، إلى جانب تساؤلات داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
اتفاق لبنان وإسرائيل: الجيش والإعلام الإسرائيليان أقل تفاؤلاً
بعد مرور أيام على توقيع اتفاق لبنان وإسرائيل ما زال الجيش الإسرائيلي يدّعي أن تنفيذ الاتفاق، وموعد بدء انسحاب قواته من عدد من القرى اللبنانية تنفيذاً لبند المناطق التجريبية، غير واضحين ولم يبدأا بعد. وتقول المؤسسة العسكرية إن الاتفاق ضبابي، وإن احتمالات تنفيذه غير واضحة. ويبدو أن موقف المؤسسة العسكرية أقل احتفالية من موقف صانعي القرار، وهي غير مقتنعة بأن الاتفاق سيُغلق الباب تماماً أمام التدخّل الإيراني في لبنان، أو أنه سيؤدي إلى نزع سلاح “حزب الله”.
ونقل مراسلا صحيفة هآرتس، يانيف كوبوفيتش، المراسل العسكري، وليزا روزوفسكي، مراسلة الشؤون الخارجية، يوم الاثنين 29 يونيو، أن “ضباطاً كبارا في الجيش الإسرائيلي يقولون إن الجيش وجد نفسه عالقاً بين مسارين متوازيين ومتعارضين جوهرياً بشأن مستقبل لبنان بعد توقيع الاتفاق”. فمن جهة، هناك المسار الإسرائيلي ـ اللبناني، الذي يحاول الجيش الإسرائيلي تبنّيه وتعزيزه بهدف إنشاء آليات مباشرة للإنفاذ والأمن مع الجيش اللبناني. ومن جهة أخرى، هناك مسار أكثر أهمية وإثارة للقلق من وجهة نظر المؤسسة الأمنية، وهو المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. ولا ينظر الجيش بعين الرضا إلى المسار الثاني، إذ يعتقد أنه يمنح “حزب الله” وإيران هامشاً سياسياً جديداً وقدرة متجددة على المناورة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تآكل الإنجازات العملياتية التي تحققت خلال الحرب على لبنان.
“هآرتس”: ضباط في الجيش الإسرائيلي يقولون إن الجيش وجد نفسه عالقاً بين مسارين متوازيين ومتعارضين بشأن مستقبل لبنان بعد توقيع الاتفاق
كذلك حاول رونين بيرغمان، المحلل العسكري في موقع “واينت” (28 يونيو)، التقليل من اللهجة الاحتفالية التي سادت بين صانعي القرار بعد توقيع الاتفاق. وقال إنه، رغم أهمية الاتفاق وبنوده الجيدة لإسرائيل، ورغم إشادة الحكومة بإجراء اتصالات دبلوماسية مباشرة مع لبنان، فإن الاتفاق يذكّر بشكل خاص باتفاق آخر وُقّع قبل أكثر من أربعين عاماً (اتفاق 17 أيار 1983)، والجميع يعرف مصير ذلك الاتفاق (ألغي). وأضاف بيرغمان، المقرّب من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: “كما كان الحال حينها، توجد اليوم أيضاً مسألة واحدة ستحسم مصير الاتفاق، وهي القدرة الفعلية للحكومة في بيروت على تنفيذ بنوده”. وأوضح أن الحكومة بدلاً من استثمار النجاحات العسكرية المتراكمة لتوقيع اتفاقات من موقع قوة، أطالت الوقت، واضطرت في النهاية إلى القبول باتفاقات مرحلية، بعيدة جداً عن تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية”.
كذلك حذّرت أورنا مزراحي، الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، في 28 يونيو الماضي، من أنه رغم أهمية اتفاق لبنان وإسرائيل فإن الطريق إلى تنفيذه ما زال طويلاً ومليئاً بالعقبات. فموافقة الطرفين على تنفيذ تدريجي ومشروط تنبئ بمسار طويل وبطيء. كما أن تقدّم عملية التنفيذ يواجه جملة من التهديدات، أبرزها: أولاً، معارضة “حزب الله” للاتفاق ورفضه التخلي عن سلاحه، ومكانته المستقلة، وعلاقته بإيران، مع التهديد بإشعال حرب أهلية. ثانياً، ضعف الجيش اللبناني. ثالثاً، استمرار وجود قوات الجيش الإسرائيلي في الحزام الأمني لفترة غير محددة، الأمر الذي قد لا يؤدي فقط إلى مواجهات مع “حزب الله”، بل أيضاً إلى احتكاكات مع الجيش اللبناني والسكان المحليين الراغبين في العودة إلى بيوتهم. رابعاً، التدخّلات المتوقعة من جانب إيران، التي تسعى إلى الحفاظ على “حزب الله” وضمان بقائه، وكذلك إلى صون مكاسبها في اتفاق التفاهمات مع الولايات المتحدة بشأن دورها في الحفاظ على وقف إطلاق النار في لبنان.
تقدّم هذه النماذج من التحليلات الإسرائيلية قراءة أكثر واقعية وحذراً للاتفاق. فصحيح أن إسرائيل ترى أنها حققت إنجازاً لا يُستهان به، لكن التحليلات تُجمع على أن الاحتفالية بعرض الاتفاق وتسويقه بوصفه إنجازاً كبيراً سابقة لأوانها ومبالغ فيها، وأن “حزب الله”، في نهاية المطاف، لن يخضع وسيعمل على تعطيل الاتفاق. ناهيك عن أن إيران لن تتنازل بهذه السهولة عن ورقة لبنان و”حزب الله” في المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة.
مجتمع إسرائيلي يريد الحسم العسكري
على ما يبدو، لن يرضي الاتفاق مع لبنان المجتمع الإسرائيلي المتلهف إلى تحقيق انتصارات عسكرية، والداعم للحلول الأمنية واستخدام القوة. فوفقاً لاستطلاع للرأي أجراه “مركز القدس للشؤون الخارجية والأمن” بتاريخ 22 يونيو الماضي، يدعم المجتمع الإسرائيلي، بأغلبية كبيرة، السياسات الأمنية ويطالب بالاستمرار في استخدام الأدوات الأمنية. ويرى معظم الإسرائيليين أن على إسرائيل اعتماد سياسة أمنية حازمة في مواجهة التهديدات الإقليمية، وأنهم لا يثقون باتفاقات وقف إطلاق النار مع المنظمات المسلحة، ويعارضون إقامة دولة فلسطينية. كما يرى معظم الجمهور الإسرائيلي أن دروس السابع من أكتوبر تفرض على إسرائيل الحفاظ على حدود قابلة للدفاع، ومناطق عازلة، ووجود أمني في مناطق استراتيجية.
56% من الإسرائيليين يؤيدون تنفيذ عمل عسكري ضد “حزب الله”، حتى لو أدى ذلك إلى مواجهة مباشرة مع إيران
وتتمثل النتيجة الأبرز في الاستطلاع في أن 56% من الإسرائيليين يؤيدون تنفيذ عمل عسكري ضد “حزب الله”، حتى لو كان من شأن ذلك أن يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع إيران، فيما تعارض ذلك أقلية فقط. ووجد الاستطلاع أيضاً أن 79% من الإسرائيليين لا يثقون باتفاقات وقف إطلاق النار مع “حماس” و”حزب الله”، ويرون أن اتفاقات من هذا النوع لا تضمن أمناً طويل الأمد لإسرائيل.
ووفقاً لرئيس المركز دان ديكر، توضح هذه النتائج أن “الجمهور في إسرائيل أصبح أكثر واقعية، وبات متأثراً بعمق بدروس السابع من أكتوبر وبالواقع الأمني المتواصل في المنطقة. إذ يطلب الإسرائيليون أمناً حقيقياً لا وعوداً، ويبدون تشككاً متزايداً تجاه ترتيبات لا تستند إلى قدرة إسرائيلية مستقلة على الدفاع عن نفسها”. وأضاف أن “الرسالة الأساسية التي تبرز من الاستطلاع هي أن غالبية الجمهور الإسرائيلي تفضّل الردع، والسيطرة الأمنية، والقدرة على العمل بصورة مستقلة، على الاعتماد على ضمانات خارجية”.
بناء على هذه النتائج، يمكن التكهن بأن الجمهور الإسرائيلي لن يتعامل مع الاتفاق مع لبنان بصورة احتفالية، كما فعل نتنياهو، بل سيكون أكثر حذراً وسينتظر ليرى ما إذا كان الاتفاق سيُطبَّق فعلاً على أرض الواقع، وبصيغة مرضية لإسرائيل، ولا سيما للمؤسسة العسكرية. من هنا، سيكون من الصعب على نتنياهو الاستفادة من الاتفاق سياسياً وانتخابياً، كما كان يرغب، خصوصاً في ضوء التحذيرات من صعوبة تطبيقه على أرض الواقع، وموقف المؤسسة العسكرية ذاتها، التي لا تتعامل مع الاتفاق بوصفه حلاً نهائياً لقدرات “حزب الله” العسكرية أو لتدخّل إيران في لبنان. ويبدو أن شهية إسرائيل ومطامعها، على مستوى القيادة والمؤسسات والمجتمع، أوسع بكثير من هذا الاتفاق، رغم بنوده المنحازة بدرجة كبيرة لصالحها.
