يقرأ الكاتب والناقد السوري فارس الذهبي المسرح السوري بعد عقود من الأدلجة والقمع والحرب، بهدف كشف التناقضات وإثارة الأسئلة، والذهاب إلى صياغة أداةٍ نظرية تعيد للمسرح قدرته على الفضح والسؤال، وتحرير الخشبة من وظيفة العزاء الجمالي.

تنطلق هذه القراءة في كتابه الصادر حديثاً “أورغانون المسرح السوري الجديد” (وزارة الثقافة السورية، ومؤسسة دمشق للثقافة والفكر والفنون والتنمية، دمشق، 2026) من تحري “أزمة النص”، ويطرح سؤالاً لازماً حول مدى تمثيل النص المسرحي السوري لمجتمعه مقارنة بالمسرح الأوروبي. ويرى الذهبي أن قطاعاً واسعاً من الكتّاب، ولا سيما المنتمين إلى اليسار، تعاملوا مع المسرح بوصفه أداةً لتوجيه المجتمع لا للاستماع إليه، فنتج عن ذلك انفصال بين الخشبة والناس، وظهرت لغة مسرحية بعيدة عن الواقع، كما يناقش مفهوم “قتل الأب” فنياً، معتبراً أن الأجيال السورية لم تنجح في تجاوز المرجعيات السابقة، بل ورثت رؤى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بما حملته من رموز قومية وتجريبية، في وقت فرضت فيه الثورة واقعاً جديداً جعل تلك الرموز عاجزة عن تفسير المأساة السورية. ويستند الكتاب إلى مفهوم “الأورغانون” بوصفه أداةً معرفية لضبط التفكير وتمييز الحقيقة عن الوهم، ويستعيد المصطلح من جذوره الأرسطية، مروراً بالفلسفة العربية، ثم استخدامه لدى برتولت بريخت.

كما ينتقد المؤلف ظاهرة “الهروب من مواجهة الواقع” عبر استيراد النصوص العالمية المحايدة، وإعادة إنتاجها مئات المرات بذريعة التحايل على الرقابة. وهذا شكّل “رفاهية لا تليق بجمهور مخضب بالهموم”، وتسبب في غياب معالجة القضايا الملحة مثل الاعتقال، واللجوء. ويدعو الكاتب إلى مصالحة حقيقية مع المجتمع عبر نصوص تنبع من تفاصيل الحياة اليومية، والتحول من موقع الأستاذ إلى موقع الشاهد.

وفي الجانب الجمالي، يعالج الكتاب ظاهرة التكرار، مستلهماً مقولة ابن عربي “التجلي المتكرر في الصورة الواحدة لا يُعوّل عليه”، ليؤكد أن الإبداع يفقد روحه عندما تتحول الرموز والأشكال إلى قوالب ثابتة. ويرى أن المسرح السوري والعربي يعاني من استنساخ الشخصيات والرموز والصراعات، مع غياب اللغة الخاصة بكل شخصية، وهيمنة التقنية على حساب التجربة الإنسانية الحية.

صياغة أداةٍ نظرية تعيد للمسرح قدرته على الفضح والسؤال

ومن أجل الذهاب نحو حلول تنهض بالنص المسرحي السوري وتردم الفجوة بين المسرح والجمهور، يقترح الذهبي اعتماد سياسة حمائية للنص المسرحي السوري لمدة خمس سنوات، تمنح الكاتب المحلي فرصة لتطوير تجربته بعيداً عن المنافسة مع النصوص العالمية، بما يشجع على إنتاج أعمال تعالج أسئلة الهوية والذاكرة والحرب والعدالة، دون أن يعني ذلك الانغلاق عن المسرح العالمي.

يتناول الكتاب أيضاً ظاهرة “عصر الممثلين” التي رافقت ازدهار الدراما التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي، إذ تحول الممثل إلى مركز الثقل في العملية الفنية، على حساب الكاتب والمخرج، وأصبحت الجماهيرية تمنح شرعية ثقافية لا تستند دائماً إلى المعرفة، الأمر الذي قاد إلى تصاعد الشعبوية الفنية وتراجع المعايير الإبداعية. 

من جهة أخرى، يدعو الذهبي إلى حفر معرفي في الجذور شبه المسرحية والإرث الشفهي، فالمخيلة الدرامية للسوري تشكلت عبر الرقص الطقسي الجماعي، وفنون الزجل، والحكواتي، وتمثيليات عاشوراء، والإشاعات المتداولة التي تنطوي على عناصر حبكة درامية. ويرى أن قراءة التراث بعين مسرحية تؤسس لمسرح سوري أصيل يستند لمخيلة الجمهور.

وفي إطار الحديث عن المسرح بوصفه صناعة يرى فارس أنه يجب على الإدارات أن تتخلى عن عقلية “المرفق الخيري التوجيهي” المجاني المدعوم حكومياً، والتحول إلى صناعة ربحية قادرة على تمويل ذاتها ومكافأة مبدعيها، مستندة إلى “عقد فني” يربط الصالة بالخشبة عبر ثمن التذكرة الذي يمثل خياراً حراً واستثماراً ذهنياً وعاطفياً للمشاهد. ويتطلب ذلك عودة مفهوم “الفرقة المسرحية” باعتبارها جسداً جماعياً يكسر نجومية الفرد القائد، وتغيير دور الدولة لتصبح شريكاً استراتيجياً يدعم البنية التحتية ويمنح الإعفاءات الضريبية بدلاً من كونه ممولاً يفرض الرقابة.

يضم الكتاب نصاً مسرحياً جديداً للمؤلف بعنوان “بروفة يوم الحساب”، الذي يقدم حالياً على خشبة مسرح الحمراء في دمشق بإخراج ماهر صليبي، ويتمحور حول ضرورة أن يستعيد ضحايا نظام الأسد حقوقهم عبر العدالة الانتقالية، وليس عبر الانتقام الفردي.