بعد فترة قصيرة من نشر رواية “آلام الشاب فرتر” لغوته عام 1774، حُظر تداولها في بلدان عدّة، إذ تفاقمت حالات الانتحار بين الشباب وهم يرتدون ستراتٍ صفراء ومعاطف زرقاء، وفي جيوبهم نسخة من الرواية القاتلة، وهو ما عُرف لاحقاً في علم الاجتماع بـ”تأثير فرتر”. فهل بوسع الجمال أن يحمل في طياته جرثومة الخلل؟ 

تحاول أستاذة الفلسفة والباحثة البريطانية ديزي ديكسون الإجابة عن هذا السؤال في كتابها “المنحرف: قصة الفن الخطير” (فيبر آند فيبر، لندن، 2026)، عبر رحلة تمتد من روائع عصر النهضة إلى أعمال الماركيز دي ساد، ومن فنون الأداء إلى ألعاب الفيديو، لتفحص اللحظة التي يتجاوز فيها الفن حدود الجمال، ويصبح شريكاً في جريمة مكتملة الأركان.

لو توخينا الدقة، نجد أن الكتاب لا يقدم إجابة شافية، بقدر ما يرسم خريطة لمساءلة الفن أخلاقياً. فخطورة العمل الفني، بحسب ديكسون، لا تنحصر في تجسيده لفعل فاضح، بل قد تتخفى في صورة رسائل يمررها، أو أثر يعمل في قلب القارئ، أو في السجل الأخلاقي لصاحبه، أو حتى في الوسائل التي أُنتج بها. فهل يمكننا أن نتهم الفن بالتلاعب؟ يكفي أن نستحضر دون كيخوته الذي جعل من نفسه أضحوكة لندرك خطر كتب الفروسية. غير أنّ ديكسون تستعين بمجموعة من الأعمال أكثر جدلاً من أعمال غوته وثربانتس، فهي تبدأ بالماركيز دي ساد وتختتم كتابها به. 

أبعاد الصورة غير حقيقية

دي ساد ليس مجرد كاتب بلغ الحدود القصوى من التطرف، وإنما يصلح نموذجاً لما يمكن تسميته بـ”الفن الإجرامي”؛ أي الفن الذي يوفر للشر لغةً يبرر بها قبحه. وحتى تقنع قارئها، تستعيد ديكسون قضية “قتلة المستنقعات” في بريطانيا، إيان برادي ومايرا هيندلي، اللذين كانا من قراء دي ساد. فإن لم يكن هو السبب المباشر لجرائمهما، فقد قدم لهما في قالب فني، إطاراً فكرياً يضفي على العنف مسحة فلسفية، ويحوّل الجريمة من فعل مشين إلى موقف يمكن تقبله.

يدعو الكتاب إلى مواجهة هذا الفن بالنقد والحوار وإعادة التأويل
 

يلفت الكتاب أيضاً إلى نوع آخر من الفن، قد يكون الأكثر خطورة ونعومة، وهو ما تجسده لوحة “اغتصاب أوروبا” للفنان الإيطالي تيتيان، التي تُعد إحدى روائع عصر النهضة. لكن ديكسون تصنفها شكلاً من أشكال “خطاب الكراهية ضد المرأة”. فخلف الألوان الساحرة والزبد البراق، نصطدم بمشهد اعتداء جنسي جرى تجميله بإضفاء طابع شبقي عليه؛ إذ تظهر الضحية في وضعية ملتبسة، لتمرير رسالة شديدة الخطورة مفادها أنّ رفض المرأة هو دعوة مبطنة للقبول!

لا يتوقف الأمر عند الرموز الصريحة، بل يتطرق إلى الخبث الفني في لوحات الطبيعة الهادئة التي رسمها أدولف هتلر، فهي ليست إلّا قناعاً لعنف مضمر، إذ تعكس حنيناً إلى عالم “نقي” ومتجانس، وهو التصور نفسه الذي غذّى المشروع النازي الجهنمي. فهل يمكن فصل جمال العمل الفني عن الرؤية التي أنتجته، أم أن اللوحة قد تحمل، في هدوئها، البذور الأولى لخطاب سيكشف التاريخ عن وجهه الدموي؟

على جانب آخر، تستعيد ديكسون الجدل الذي أثارته لوحة الفنانة الأميركية دانا شوتز لجثمان الفتى الأسود إيميت تيل المشوه، الذي قُتل في ولاية ميسيسيبي عام 1955 بعد اتهامه زوراً بمغازلة امرأة بيضاء وبُرّئ قاتلاه، لمعرفة إذا ما كانت النيّات الحسنة تكفي لتبرير تحويل مآسي الآخرين إلى مادة فنية. 

تتوسع دائرة النقاش لتشمل ألعاب الفيديو التي تقوم على العنف المفرط، وأخرى تجعل الاعتداء الجنسي شرطاً للاستمرار في اللعب، لنفطن إلى السؤال الأهم في كتابها: هل يكتفي الفن بعكس نزعاتنا المكبوتة، أم أنه يسهم في تشكيلها؟ 

رغم تلك الأسئلة المخيفة، لا تنتهي ديكسون بحذف هذه الأعمال من سجل الفن أو إقصائها من المتاحف، فهذه الأعمال ينبغي أن تظل متاحة للنقاش، لأنها تكشف عن أسرار غامضة تحتاج لمزيد من الشجاعة لتقبلها. لذا توجه ديكسون دعوة إلى مواجهة هذا النوع من الفن بالنقد والحوار وإعادة التأويل، لا بالإخفاء أو المنع، على اعتبار أن “العلاج هو خطاب أفضل، وفن أفضل، وتنسيق عرض أفضل”. 

وتفترض المؤلفة ما يمكن تسميته بالفن الخطير، والذي يُقاس بدرجة انحطاطه الأخلاقي، أي كيف يؤثّر على سلوك المُشاهد وتفكيره، وعلى أخلاق الفنان نفسه، وتُجادل ديكسون بأن الفن، يساهم بطريقة بطئية في تشكيل أخلاقنا ووجهات نظرنا.