كانت المثل العليا والحقوق التي أكد عليها مؤسسو الولايات المتحدة محور كلمة وجهها البابا لاوُن الرابع عشر بعد ظهر الجمعة لمناسبة الاحتفال بتسليم قداسته ميدالية الحرية التي يمنحها سنويا مركز الدستور الوطني في فيلادلفيا.
في اتصال فيديو عبر الشبكة شارك قداسة البابا لاوُن الرابع عشر بعد ظهر الجمعة ٣ تموز يوليو في احتفال مركز الدستور الوطني في فيلادلفيا بمنح قداسته ميداليته السنوية، التي تُعرف باسم ميدالية الحرية Liberty Medal.
وفي بداية كلمته أعرب الأب الأقدس عن الاعتزاز بتلقيه هذه الميدالية في هذه السنة التي يُحتفل فيها بمرور ٢٥٠ عاما على تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية بتوقيع إعلان الاستقلال في ٤ تموز يوليو ١٧٧٦. وواصل البابا أنه وعشية هذه المناسبة الهامة يوجه تحية قلبية إلى المجتمعين في المركز في فيلادلفيا، وباعتباري ابن هذا البلد الكبير الذي أسسه رجال ونساء شجعان كانوا يحلمون بالحرية في عالم أفضل لهم ولأبنائهم، قال البابا، فإنني أتحد معكم في طلب بركة الله لمستقبل أمريكا وأن تواصل المثل العليا التي يذكرها إعلان الاستقلال توجيه خير الأمة في الوحدة والعدل والسلام.
وتابع البابا لاوُن الرابع عشر متحدثا عن “إعجاب أغلبيتنا منذ الصغر” بهذه الكلمات وإشارتها القوية إلى قانون الطبيعة وإلى إله الطبيعة كأساس التأكيد على أن جميع الرجال والنساء قد خُلقوا متساوين ولهم مِن خالقهم حقوق لا يمكن المساس بها، من بينها الحق في الحياة والحرية والسعي إلى السعادة. وتابع الأب الأقدس أن هذا التأكيد، وإن كان ينتمي إلى لغة التنوير، له أساس في فهم للشخص البشري يستلهم من رؤية الكتاب المقدس العظيمة لخلق الإنسان على صورة الله، فهنا نكتشف أسس الكرامة البشرية، قال البابا، كرامة تسبق تأسيس أي دولة، وحماية هذه الكرامة تشكل هدف الدولة.
وتابع الأب الأقدس أن العزم على تحقيق الرؤية النبيلة لمؤسسي الأمة كان في السنوات الـ ٢٥٠ الأخيرة ما جعل أمريكا بالنسبة للكثير من شعوب العالم مرادفا للحرية، وقد فتح هذا البلد أبوابه لموجات متتابعة من المهاجرين ممكنا إياهم وممكنا أبناءهم من المشاركة في تشكيل مستقبل هذه الأمة. وكانت محبة الحرية هذه من جهة أخرى ما حفز الولايات المتحدة في أحلك لحظات القرن الماضي، خلال الحربين العالميتين، على النظر إلى ما هو أبعد وإلى دعم قضايا الحرية خارج حدودها بتضحيات كبيرة.
أراد البابا لاوُن الرابع عشر بعد ذلك التأمل في المبادئ المؤسِّسة لأمريكا كي تظل أمينة للحلم الذي جعلها جديرة بأن تحمل اسم بلد الأشخاص الأحرار وأرض الأشخاص الشجعان. وتوقف قداسته أولا عند الحق الأول الذي تحدث عنه مؤسسو الأمة وهو حق الحياة، وأشار إلى أن حيوية أي بلد هي مرتبطة بشكل وثيق بالقيمة التي يمنحها للحياة البشرية في أية ظروف معترفا بالكرامة التي يتمتع بها كل شخص بحكم وجوده في حد ذاته. وذكَّر البابا هنا بكلمات صاحب المزامير حول الشكر على عمل الخالق العجيب وشدد قداسته على ضرورة إنماء هذا الإجلال أمام عطية ثمينة، أي الحياة. وعلى فعل الإجلال هذا أن يحرك قلوب الأشخاص ويحفز إصدار قوانين تعترف بهبة الحياة منذ الحبل بها حتى الموت الطبيعي وتحميها. وشدد البابا على أن العظمة الأخلاقية لأمة تظهر قبل كل شيء في قدرتها على دعم وحماية وتثمين حياة الجميع وخاصة مَن هم أكثر ضعفا.
ثم انتقل قداسة البابا إلى الحديث عن مبدأ آخر، الحرية، والتي قدَّرها ولا يزال يقدرها الكثير من الرجال والنساء الذين بحثوا في الولايات المتحدة عن بداية جديدة. وأشار الأب الأقدس إلى أن الحرية غالبا ما تُفهم كحرية عمل ما نريد، إلا أن الحرية الحقيقية هي أعمق بكثير، فهي تقوم على قدرة الشخص على التعرف على الحقيقة والالتصاق بما هو خير حتى وإن كان الثمن كبيرا. وتابع البابا أن التوق إلى الحقيقة وإلى الحرية، وحتى السعي إلى السعادة، يدفع كل الأجيال إلى التساؤل حول معنى الحياة وحول غايتنا النهائية، حول الله، وأضاف أن الإجابة على هذه التساؤلات هي ما تحدد الوجهة التي نعطيها لحياتنا. وأشار قداسته إلى تعزيز الولايات المتحدة للحرية الدينية الضرورية لاتِّباع ما يمليه الضمير بدون خوف أو إكراه حسبما يُذكر في دستور الولايات المتحدة.
وواصل قداسة البابا حديثه عن الحرية الدينية مشيرا إلى كونها تتعلق باحترام دواخل الشخص البشري حيثما تتكون القناعات ويمكن للضمير أن يقود القرارات التي تُتخذ من أعماق القلب، إلى جانب كون هذه الحرية ما يضمن للأفراد والجماعات العبادة والتعبير عن إيمانهم. وأضاف البابا أن الحرية الدينية قد أسست في الولايات المتحدة تقليد الحوار والتعاون بين الأديان من أجل تعزيز الخير العام وإثراء النقاش حول القضايا الأخلاقية التي وُضعت أمامها الأمة والتي شكلت مسيرة تاريخها. ثم أعرب الأب الأقدس عن الرجاء أن تواصل هذه التقاليد منح ثمارها في نقاش عام يتميز بالاعتدال واحترام وجهة نظر الآخر، وأن تسفر عن جهود متواصلة للعثور على أرضية مشتركة لتعزيز قضايا السلام والمصالحة داخل البلاد وخارجها.
وأضاف البابا لاوُن الرابع عشر أن الأسلاف في الولايات المتحدة، أي رجال ونساء من أصول وأديان ولغات مختلفة، قد تمكنوا من العثور على الأرضية المشتركة والقوة الضرورية لبلوغ مستقبل أفضل، وقد وحدتهم المبادئ التي حفزت مؤسِّسي أمريكا، نظرا لتجذرها في حقيقة الشخص البشري، في قضية واحدة وحلم مشترك. وقد منحت الوحدة قوة لهذا الحلم، تابع البابا وشدد على أن ازدهار الأمة يتطلب أن تكون متحدة لا فقط في الأهداف المرتبطة بأفعال مؤقتة، بل وأن توحدها مبادئ لا تزول مع مرور الوقت.
ثم أعرب الأب الأقدس في ختام كلمته عن الرجاء أن تكون المبادئ التي تأملنا فيها اليوم، والتي يتضمنها إعلان الاستقلال، مصدرا لهذه الوحدة ونورا ومرجعا للحاضر وللسنوات القادمة. وأكد البابا صلاته كي تكون الذكرى الـ ٢٥٠ لتأسيس هذه الأمة الكبيرة، قال قداسته، فرصة لتجديد الالتزام بالمبادئ التي جعلت الولايات المتحدة بلدا يثمن السلام والازدهار، بلدا يتسم بسخاء نبيل للقلب. ثم أوكل البابا الجميع ومستقبل الأمة إلى مَن هو ينبوع الحرية الحقيقية والسلام الدائم، إلى مَن اسمه السلام.
